عام بعد عام، نشهد زيادة مطردة في حجم الميزانية ومصروفاتها التقديرية، والتي عودتنا أن تكون تاريخية في كل سنة. ولكن المشكلة في زيادة حجم النفقات الحكومية "الاستثمارية منها" هو محدودية تأثيرها على الاقتصاد. فكثير من هذه المشاريع يذهب إلى عدد محدود من شركات المقاولات، والتي بسبب طبيعة تركيبتها، تتسبب في انخفاض تأثير "مضاعف الإنفاق الحكومي" لكل ريال مرصود ومعتمد في الميزانية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الفائدة المرجوة من هذه المشاريع، والتي تكون في معظمها موجهة لدعم البنية التحتية محدودة. فالمبالغ المعتمدة للحفاظ على هذه الإنشاءات وصيانتها لا تقارن بما تم رصده للبناء والتشييد، وبالتالي لا يمكن الحفاظ على نفس مستوى الكفاءة ومد العمر الافتراضي لها. مشكلة ضعف الأثر الاقتصادي للإنفاق الاستثماري في البنية التحتية سببها أن المستفيد النهائي من هذه الأموال هم إما أصحاب شركات المقاولات الكبيرة أو العمالة الأجنبية المنفذة للمشاريع. بالنسبة لأصحاب الشركات، فإن الأموال التي تصل إليهم تتراكم في معظمها ولا يخرج من جيوبهم إلا النزر اليسير. فزيادة الدخل لديهم لا تتحول تلقائيا إلى زيادة في الإنفاق كما هو الحال في الطبقة المتوسطة. أما فيما يخص العمالة الأجنبية، فبإمكاننا ملاحظة الزيادة المطردة في حجم تحويلاتها. وبذلك تبقى الفئة الأساسية المستهدفة من الإنفاق الحكومي والمشاريع المنفذة، وهي الطبقة المتوسطة وأصحاب الدخل المحدود، هم أقل المستفيدين. فدخولهم لم ترتفع كنتيجة للزيادة في الإنفاق، وهم أيضا يعانون من التضخم المصاحب لمزاحمة الطلب على السلع الأساسية، وأخيرا فإن استفادتهم من المشاريع المنفذة قد تكون قصيرة الأجل إذا انعدمت الصيانة. بالنسبة لمعضلة تشغيل وصيانة المشاريع الحكومية، فهي ليست خاصة بالسعودية وحدها، إنما هي سمة عامة للمشاريع الحكومية حول العالم. فعادة ما تبرع الحكومات في مجالات كالتنظيم والرقابة للأسواق الحرة وإعادة توزيع الثروة. وعلى الجانب الآخر، نجد أن القطاع الخاص هو الأقدر على ضبط النفقات والاستفادة القصوى من الموارد المتاحة وتحقيق الربحية. ولذلك نجد أن التعاون بين القطاعين العام والخاص في غاية الأهمية لتحقيق الاستفادة القصوى من الموارد المحدودة. ولذلك فإن على الحكومة إعادة توجيه بوصلة نفقاتها نحو اتجاهين جديدين هما القطاع الخاص والاستثمار. فيتم توسيع دور القطاع الخاص في الخدمات المقدمة للمواطن وحصر دور الحكومة في الرقابة، بدءا من تحقيق الأهداف وانتهاء بتحديد هامش الربح. بهذا الشكل يتاح للحكومة استخدام مواردها المالية في مشاريع استثمارية توفر مصادر دخل جديدة.