يتزايد الجدل في الأوساط القانونية والعدلية حول مشروعية إصدار حكم على متهم ما بعقوبة تعزيرية، دون توفر أدلة كافية وإثباتات مقنعة توجد اليقين لدى القضاة وهيئات المحاكم بتورط ذلك المتهم في ارتكاب الجرم المنسوب إليه، بل إن بعض القضاة الأفاضل يقر في حيثيات حكمه بعدم ثبوت إدانة المتهم فيما نسب إليه من اتهامات، ورغم ذلك يصدر حكما تعزيريا عليه، ويعزو بعضهم ذلك إلى قوة ووجاهة الاتهامات المنسوبة للمتهم.

ولأن القاعدة الفقهية الشهيرة تقول إن الأصل في الإنسان براءة ذمته، وأن الشرع الحكيم ينادي بتفسير الشك لصالح المتهم، إعمالا لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم «ادرؤوا الحدود بالشبهات»، وقوله «ادرَؤُوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مَخرج فخلُّوا سبيلَه، فإن الإمام إن يُخطئ في العفو خير من أن يُخطئ في العقوبة»، وهذه في الحدود فمن باب أولى في التعازير، فإنه لا مسوّغ لما يردده البعض من تفسيرات مختلفة لمصطلحي «البراءة» و«عدم ثبوت الإدانة»، وأن البراءة تعني تأكيد عدم ارتكاب المتهم لما نسب إليه من فعل محظور، وهذا تفسير غير صحيح ويناقض المنطق، لأن ذلك يدخل في علم الغيب الذي لا يدركه إلا الله، سبحانه وتعالى، كما أن عدم الدليل هو في حد ذاته دليل على براءة المتهم، وعلى كل حال فإن كلا المصطلحين ينبغي -قانونا- أن يؤديا إلى نتيجة واحدة هي عدم إيقاع الجزاء الشرعي بالمتهم، وإخلاء سبيله.

وقد أطنب رجال القانون على اختلاف مشاربهم في التأكيد على حقيقة واحدة، هي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، كما يؤكد علماء الإسلام أن الشريعة الإسلامية لم تأت لتعاقب الناس بالشبهات، بل جاءت رحمة للعالمين وصيانة لهم، كما أن العقوبة نفسها لم تشرّع انتقاما من شخص أو تحقيرا لشأنه، بل كان الهدف منها هو حماية المجتمعات ممن يثبت بالدليل القاطع تجاوزهم بحق غيرهم، واعتداؤهم على أموال الناس وأعراضهم ودمائهم، لذلك فإن الواجب هو صيانة حق المدعي والمدعى عليه، وهو ما أقرته المادة الثالثة من نظام الإجراءات الجزائية الصادر عام 1435، حيث نصت بوضوح كامل على أنه «لا يجوز توقيع عقوبة جزائية على أي شخص، إلا بعد ثبوت إدانته بأمر محظور شرعا أو نظاما بعد محاكمة تُجرى وفقا للمقتضى الشرعي».

ورغم أن المحكمة العليا في المملكة أصدرت قرارها رقم 21/ م عام 1436 الذي عرَّفت فيه العقوبة الجزائية التي يشترط إثبات الإدانة لها بأنها «هي ما كان منصوصا على عقوبتها شرعا أو نظاما، وما عدا ذلك فلا يشترط له ثبوت الإدانة»، إلا أن كثيرا من رجال الشريعة والقانون أبدوا تحفظهم على ذلك القرار، مشيرين إلى أنه قد يكون سببا في معاقبة أبرياء، ويفتح الباب واسعا أمام تباين الأحكام بين قاض وآخر، وربما يتسبب في إحداث الضرر بكثير ممن توجَّه إليهم اتهامات لا تتوفر لإثباتها الأدلة المطلوبة، وهذا واقع ومشاهد في أرض الواقع.

لذلك فإن التعميم القضائي الذي أصدره وزير العدل رئيس المجلس الأعلى للقضاء الدكتور وليد الصمعاني لتطوير المبادئ الموضوعية عند نظر القضايا والحكم فيها، وذلك بمراعاة الوصف الجرمي للإدانة قبل إصدار الحكم، بألا يتضمن الحكم بالشبهة أو توجيه التهمة، مع الأخذ بوسائل الإثبات كافة، بما في ذلك القرائن المعتبرة، يعدّ خطوة متقدمة تضع حدا لذلك الجدل، وهو من وجهة نظري المتواضعة خطوة كبيرة تصب في اتجاه تطوير أعمال مرفق القضاء السعودي الذي ظل يسجل تقدما ملحوظا يلبي رغبة ولاة الأمر في هذا البلد الكريم، الذين يسعون بكل جد وراء حفظ حقوق المواطنين، وضمان عدم تعرضهم للحيف والعنت. كما تضمن التعميم جوانب في غاية الأهمية، مثل وجوب أن يسبق تقرير العقوبة الجزائية النص على ثبوت إدانة المتهم، وألا يكون توجيه التهمة أو الشبهة من الأوصاف التي يُدان بها المتهم، وكذلك مراعاة الأحكام المقررة شرعا فيما يتصل بأدلة الإثبات الموجبة لإقامة الحد.

ويبرز هنا قول بعض أئمة الشرع بأن «العقوبة لا تسوغ إلا عند تحقق السبب الموجب ولا تسوغ بالشبهة، بل سقوطها بالشبهة أقرب إلى قواعد الشريعة من ثبوتها بالشبهة»، ولاحظ الفرق الكبير هنا بين لفظي «العقوبة» و«الإدانة». وهذا مطابق تماما للمبدأ القانوني الحقوقي الجنائي القائل «إن الشك يفسر لصالح المتهم». ولكل ما سبق، فإن هناك حاجة تبدو ماسة لتأكيد تطبيق هذا المبدأ من خلال أدوات الرقابة، وعلى رأسها قطاع التفتيش القضائي بالمجلس، وبرغم قيام كثير من قضاتنا -وفقهم الله- بتطبيق هذا المبدأ، إلا أنني أهيب بالبقية الباقية إلى السير على نفس النهج حرصا على تعزيز العدالة التي يسعى لها الجميع، ولصون حقوق العباد.