ينتظر أكثر من 5 آلاف مواطن من أهالي وادي ذهب في منطقة عسير لفتة من الجهات المختصة للنظر في أوضاعهم المعيشية وتهيئة البنية التحتية لمشروعات خدمية ينتظرونها للحد من معاناتهم التي كبدتهم الكثير وحرمتهم من أبسط الخدمات نظرا لوعورة الطريق الذي يصل إليهم عبر مركز الشعف مرورا بمتنزهات تمنية، مطالبين بأن تشملهم الزيارات الميدانية للمسؤولين في الجهات الحكومية لرصد أحوالهم ونقل الصورة الحقيقية عنهم، والعمل على توفير أبسط المقومات بما يكفل لهم البقاء في الوادي الذي يعتبرونه مسقط رؤوسهم وتاريخهم الذي يحافظون عليه من الاندثار.

"الوطن".. سجلت جولة ميدانية لوادي ذهب ورصدت آراء الأهالي ومطالبهم نحو حاجتهم الماسة للعديد من الخدمات، والتي ينتظرون تحقيقها بأسرع وقت.. إلى التفاصيل:


وعورة الطريق

طريقنا عبر العقبة التي تخللها أكثر من 15 منحنى خطيرا، حيث كنا نستقل سيارة دفع رباعي مما اضطرنا إلى أن نسير ببطء شديد خوفا من المنحنيات المعلقة، وكان يصف لنا المواطن يحيى محمد عبدالرحمن القحطاني تلك العقبة، قائلا: هذه العقبة وقفت حجر عثرة في طريق تقدم هذه القرى التي يقطنها أكثر من 5000 مواطن.

وقفنا في منتصف النهار وسط العقبة على طريق حاد، حيث يقع هذا الحد الجغرافي على حافة هوة سحيقة من الجهة اليمنى ومثلها من الجهة اليسرى، وأي هفوة قيادة من السائق أو من أعطال فنية ـ لا سمح الله ـ يعني الاتجاه إلى أودية سحيقة تتعذر معها النجاة نهائيا، بل يتعذر على فرق الإسعاف والدفاع المدني فعل شيء إن وجدت، هذا المكان الذي يعبرونه يوميا بصعوبة بالغة قد أصبح حجر عثرة في حياتهم.

واصلنا السير بحذر بالغ ومع ارتفاع تدريجي لدرجة الحرارة وتسخين مكابح السيارة واهتزاز الثقة في السيارة.. وفي منتصف العقبة توقفنا أمام أول حالة إنسانية.


حالة إنسانية

طلب منا مرافقنا التوقف في منعطف صعب وتسللنا على أقدامنا بين كتل صخرية صعبة المسالك فوجدنا الشاب يحيى محمد ناصر الذي يعول طفله "تركي" معاق والآخر يبكي جوعا في بيت مبني من الحجر وشكا ما تعرض له ابنه الرضيع من أوضاع صحية، حيث قال: نقلت ابني لمستشفى مدينة أحد رفيدة، وأكدوا لي معاناته من حمى شوكية ثم أخذوا عينة من العمود الفقري مما زاد الوضع سوءا، وأصبح الطفل يعاني من غيبوبة وإعاقة وصعوبة تنفس "عبر أنبوب" في جيوبه الأنفية، وقال أنا عاطل عن العمل ومقيم في سكن متواضع بين الصخور ولا أستطيع متابعة حالة ابني الصعبة. تركناه مع طفليه وزوجته تحت لفح شمس حارقة، وواصلنا السير نحو الوادي، حيث تجاوزنا تقاطع عقبة ردوم وواصلنا السير لنصل إلى أول قرية من قرى وادي "ذهب"، وهي قرية الحشفة من آل جليحة، ثم قرية الحرف ببني مليك وقرية الأكداس، حيث توقفنا في هذه القرية عندما لفت نظرنا وجود أول خدمة للسكان.





مركز صحي بدائي

وقفنا عند مبنى مركز الرعاية الأولية ودلفنا إلى البوابة ليستقبلنا عامل بنقالي وسألنا السكان عن الطبيب المقيم فأوضحوا  لنا أن المركز بدون طبيب، وهناك شخص يعتقد أنه صيدلي يحضر في الشهر مرة أو مرتين ويصرف أدوية للمرضى دون فحص ثم يغادر. لنطل من نافذة صغيرة على صيدلية الرعاية التي تبدو متناثرة داخل تلك الغرفة المظلمة شديدة الحرارة ووجدنا أدوية في مستودع غير مناسب، حيث وضعت الأدوية بشكل عشوائي وتحت درجة حرارة تصل للخمسين، كما كانت حالة الغرف سيئة للغاية والنظافة غائبة تماما عن المشهد.

تركنا المركز الصحي واتجهنا إلى مركز مكافحة الملاريا، فوجدنا مبنى قديما ومتهالكا، ولم نجد الموظفين الثمانية المعينين في المركز عدا الحارس، وسألنا عن المياه فوجدنا بئر واحدة لكل القرى المتناثرة في الوادي، ولا توجد مصادر مياه إلا مياه آسنة إثر حفريات الشركات العابرة.

انتقلنا إلى قرية المعملة، وهناك التقينا بنائب القبيلة وكبار السن، فكان الحديث من القلب إلى القلب، حيث يصف لنا نائب قبيلة بني مليك يحيى صالح منصور الذي كان مرتديا الزي التهامي وعلى رأسه زهور الحوض والكادي أحوال القرى الممتدة على طول الوادي بين جبال عالية الارتفاع، مشيرا إلى الصعوبات الجمة التي يعاني منها السكان من نقص الخدمات وعدم توفر وسائل التنمية الحديثة، ويقول: إن تكاليف بناء منزل متواضع هنا في هذا الوادي ثلاثة أضعاف التكلفة في بقية مدن منطقة عسير مستدلا على بناء منزله، حيث يقول اشتريت أربعة آلاف بلكة "طوب" من خميس مشيط ودفعت على نقلها ستة آلاف ريال، وكان صاحب الشاص الذي ينقل البلك ينقل خمسين حبة فقط ويوصل لنا في الشهر دفعتين أو ثلاث، واستمر نقل البلك لعام كامل.

وأكد المواطن يحيى لاحق القحطاني أن سكان قرى وادي ذهب تراقصوا طربا منذ اعتماد مشروع إيصال التيار الكهربائي قبل خمس سنوات، وزادت فرحتهم عندما شاهدوا الأعمدة والأسلاك، ولكن الفرحة لم تكتمل فلم يكتمل تنفيذ المشروع وما زال السكان يعيشون على وسائل الإضاءة القديمة عدا عدد محدود لديهم مولدات تعمل لساعات قليلة مساء.


أزمة الطريق

وتحدث مرعي سلطان القحطاني، وسعيد محمد موسى القحطاني، وعلي محمد سلطان القحطاني عن مشكلة الطريق التي تربط قراهم بمدن سراة عسير، وطالبوا بسرعة التدخل والحل الجذري لهذه العقبة لتوفير كباري وجدران استنادية وجسور بدلا من العبارات، وقالوا هناك عبارات لا تفي بالغرض وجبال وانهيارات عديدة. وقالوا: إذا هطلت الأمطار انقطعت علاقتنا بالعالم لأنه لا يوجد لدينا منفذ في أي اتجاه.


الأبواب مغلقة

التقت "الوطن" بعدد من طلاب المدرسة الوحيدة في الوادي، وقد طالب الأهالي بحل مشكلة التعليم، وأكدوا أن أبواب التعليم مغلقة كما هي المدرسة التي لا تفتح أبوابها طوال اليوم الدراسي، وطالبوا بفتح ثانوية، حيث يشيرون إلى أنه تم تخريج أكثر من 100 شاب يحملون المتوسطة "الكفاءة"، ولم يستطيعوا مواصلة تعليمهم لعدم وجود ثانوية للبنين، كما توجد عشرات الطالبات الحاصلات على السادس ابتدائي وهن بحاجة لفتح مرحلتين متوسطة وثانوية.


لا بنية تحتية

وأكد النائب وكبار السن من القبيلة حاجتهم للعديد من الخدمات، وقالوا لا توجد بنية تحتية نهائيا، كما نطالب بفتح مركز ومخفر شرطة ودفاع مدني لتأمين الوادي من المخاطر، وقال النائب يحيى محمد عبدالرحمن في وقت الأزمات كما حصل على الجبهة الجنوبية الحدودية شكل أبناء القبيلة قوة دفاع وتحصين وتمت السيطرة على الوادي أمنيا وأي متسلل نلقي القبض عليه ونسلمه للجهات المعنية، وقال وصلت الأمور إلى مواجهات مع المتسللين وإطلاق نار، ولكن شبابنا فداء للوطن، وطالبوا ببرج للمشتركين في شركات الاتصالات لتقوية الإرسال الضعيف في الوادي، كما طالبوا بتوفير فرع خدمات البلدية والقيام بالنظافة والاهتمام بالقرية كأمثالها من القرى. والاهتمام بالمسجد وتعيين إمام، وقالوا يوجد لدينا جامع متهالك دون مكيفات وإنارة ويفتقر لدورات المياه أقامه فاعل خير.

وتمنى عدد من الشباب الذين التقينا بهم توفير ناد أو مركز أنشطة رياضية وثقافية ودينية يجمعهم لقضاء أوقات الفراغ.


الحياة المعيشية

تحدث عدد من أعيان القبيلة عن حياتهم المعيشية، وقالوا: نعيش حياة يومية بسيطة ومصدر الدخل الوحيد هو تربية المواشي، وقالوا: هناك معضلة كبيرة تواجهنا في تربية الأغنام، حيث نعاني من نقل أكياس الشعير والأعلاف وارتفاع أسعاره. وأضافوا: كان العسل من أهم المنتجات لسكان الوادي، ولكن الجفاف قضى على النحل ومات أغلبه وهاجر البعض الآخر، وقالوا نعيش في منازل مبنية من الأحجار والعشش، والبعض في منازل من صفائح الزنك والبعض في منازل حديثة كبدتهم خسائر مالية كبيرة.

تحتاج قرى وادي ذهب إلى فتح فرع للجمعية، حيث توجد هناك أعداد غفيرة من ذوي الدخل المحدود وأصحاب الحاجة لتوفير المعيشة لدى المحتاجين من أهالي القرى.


عادات وتقاليد

رغم الحياة المعيشية الصعبة إلا أن المفاجأة الكبيرة كانت في تكاليف الزواج الباهظة، حيث أكد كبار السن أن تكلفة زواج أي شاب بين السبعين والمئة ألف ريال رغم أن الشباب عاطلون عن العمل، وقال نائب القبيلة الذي يعتبر أحدث عريس في الوادي حيث لم يكمل شهر العسل: إن تكاليف زواجه تجاوزت المئة ألف ريال، وأشار إلى ما تتميز به قرى وادي "ذهب" من ألوان تراثية جميلة، وقال: توجد لدينا عادات تقام في الاحتفالات وهي التراث والرقصات القزوعي والدمة وهي على ثلاثة أنواع الصباح وله نوع: الزامل، والظهر: وله عرضة، والعصر: تسمى الروحة بصوت عال وقفزات أمام صف واحد. وفي المساء: دمة وألوان شعبية مختلفة.


تعليق المسؤولين

حملنا أوراقنا عائدين إلى المدينة وحياتها الصاخبة وترفها، ولم ننس هموم سكان قرية وادي "ذهب"، حيث طرحنا مطالبهم وأسئلتهم على طاولة عدد من المعنيين.

وأكد رئيس بلدية أحد رفيدة سالم آل منيف أن قرى وادي ذهب موضع اهتمامهم، كما أن بلدية أحد رفيدة تخدم وادي ذهب من حيث حجج الاستحكام وتخصيص الأراضي التي يتم عليها إنشاء إدارات حكومية، وحول فتح فرع للخدمات أضاف آل منيف: أنه في حالة دراسة جدوى لفتح فرع الخدمات فسوف يفتح في حالة توفر أعداد كبيرة يخدمها فرع الخدمات، وأشار إلى أنه سوف يخصص سيارة دفع رباعي تتحمل وعورة الطريق للقيام بعمل النظافة وفق برنامج شامل لكل القرى.

من ناحية أخرى أكد مدير فرع الزراعة بمنطقة عسير مبارك المطلقة أن قرى وادي ذهب والقرى المجاورة لها تجد اهتماما ومتابعة وقيام فرق ميدانية بقيادة طبيب مختص للإشراف على كل الحالات، وفي حالة الضرورة يتم الالتقاء بالأهالي هناك.

فيما أكد محافظ محافظة أحد رفيدة سعيد بن محمد بن مجري أن القرى المجاورة والتابعة للمحافظة لها الأولوية في كل احتياجاتها وخصوصا وادي ذهب، فنحن على تواصل معهم في كل ما يخدمهم، وقرى وادي ذهب تتبع مركز الواديين وباب المحافظة مفتوح لكل مواطن لديه أية مشكلة وتؤخذ لدينا بعين الاعتبار.