لم نعد نعيش في عالم هادئ ومريح، حيث لا نسمع عن الكوارث البيئية أو الطبيعية إلا في الأخبار عن مناطق كانت تعتبر بالنسبة لنا على الأقل، بعيدة، ولكن اليوم وصل "البَلّ" للذقون! بعدما كنا من المشاهدين أصبحنا في قلب الحدث، يوم السبت الماضي كان أول يوم في جدول الاختبارات، انتظرت أن تأتيني أي تعليمات عن تأجيل الموعد خاصة أن الكثير من الشوارع في جدة كانت في حالة يرثى لها من جراء مساء وصباح غزير الأمطار، أدرت التلفاز على قناتنا الأولى فوجدت أفلام كرتون بالعربية، جربت الثانية، ذات النوعية من البرنامج ولكن بالإنجليزية! قلت في نفسي: لا بد أن قناة الإخبارية قد التقطت بعضاً مما حدث، وماذا وجدت؟! صوراً عن الكوارث، من فيضانات إلى ثلوج، وشوارع مغطاة بالجليد، من أستراليا إلى البرازيل وأمريكا! ولكن يا قوم ماذا عن مدينتي؟! لا شيء! تمنيت أن تكون لدي قناة برازيلية أو أمريكية، ربما كنت وجدت لديهما أخباراً عما يجري هنا!

حينما يكون الطقس رديئا، من المفترض حين تراجع عدة مواقع رسمية على النت أن تحصل على آخر المعلومات والتي تُحّدث حسب التغيرات التي تطرأ، فمثلا في حالة التعليم العام والعالي تراجع المواقع الرسمية لوزارتي التربية والتعليم العالي، أو مواقع الجامعات والكليات المحلية، أو المدارس الخاصة، أو معاهد التدريب..إلخ، من أجل التحقق من مواعيد الدراسة أو الاختبارات أو المحاضرات، هذا على اعتبار أننا دخلنا القرن الواحد والعشرين، أم هل ما زلنا معلقين في ذيل القرن الماضي؟! ثم تتجه لوسائل الإعلام المرئية أو المسموعة، حيث تكون من المفترض أنها قد جمعت عن طريق مراسليها على أرض الواقع أهم المعلومات من الجهات المختصة وتبدأ ببثها تباعا وعلى مدار الساعة ولو على شريط إخباري في أسفل الشاشة، ولا تنسى أن تتأكد بأن تراجع هاتفك المحمول للتأكد مما إذا جاءتك رسالة من مؤسستك التعليمية تعلمك بآخر التطورات، ولكن أي من هذا لم يحدث، لا أعلم ماذا ينتظرون، نقل مباراة كرة قدم مثلا، أو افتتاح مؤتمر، أو تدشين مشروع؟! تمنيت أن أرى مراسلا واحدا.. واحدا فقط يقف تحت الأمطار وينقل لنا الصورة والأحداث، يخبرنا عن الطرقات السالكة والأخرى غير الآمنة!

استقبلت يومها مشرفة القسم مكالمات من الطالبات والأهالي منذ الرابعة فجرا، ولكن ماذا كان بيدها أن تفعل وهي لا تملك صلاحيات أو حتى معلومات! حين تجد نفسك في فراغ معلوماتي وأمامك مسؤوليات تتكل على الله وتقفز، وأعنيها حرفيا، تقفز داخل سيارتك كي لا تقع في البحر أمام بيتك، وتخوض معارك الشوارع مثلك مثل طالباتك، فكيف تعوض أمثالهن عما عانوه في الطرقات وخاصة أن من بينهن من تعطلت بها السيارة وجاءت وهي مبللة ومرعوبة تشهق من البكاء، ومنهن من أتت من مكة وأخرى من بَحره، وأخرى من منطقة إخلاء وأخرى...وأخرى..وأخرى؟! أقل ما يمكن أن نفعله هو أن نكون في انتظارهن.

لماذا نعرض بناتنا وأبناءنا للمخاطر؟! أين التنظيم والاستعداد لمثل هذه الأجواء الرديئة؟ أين تضافر الجهات المعنية الرسمية وغير الرسمية في إيصال المعلومة الصحيحة، واتخاذ الحيطة من أجل سلامة وأمن وصحة الطلبة والطالبات؟ نعم يشكر مدير المنطقة التعليمية الذي نشر إعلانا في إحدى الصحف عن إغلاق المدارس، ولكن هل كل أولياء الأمور يتابعون الصحف كأول عمل يقومون به مع مطلع كل صباح؟ لنعد صياغة السؤال: مع أجواء كهذه هل وصلت الصحف في وقتها، هذا إن وصلت؟ لقد شاهدت في ذاك الصباح تلاميذ وتلميذات بأعين يملؤها الخوف وهم ينتظرون أن تتحرك مركباتهم، وما أحزنني حقا أنني رأيت طالباً في الطريق وقد وقف في وسط الماء يراقب في ذهول سيارته تحترق والدخان يتصاعد من كل جهة! هل هذه الخبرات التعليمية التي نريد لهم أن يختزنوها للمستقبل! حقا لا تعليق لدي! فما رأيته ليس سوى نقطة في بحر مما مر به غيري من المواطنين يومها، ولكن سأترككم مع تعليمات موقع رسمي لإحدى الجامعات، أين؟ لا يهم، ولكن لنرى كيف يجب أن يكون الاستعداد:

"فيما يلي معلومات عن الإغلاق في حالة الثلوج أو سوء الأحوال الجوية... يرجى ملاحظة ما يلي فيما يتعلق بإجراءات الإغلاق: بالنسبة لوسائل الإعلام.. سيتم إخطار وسائل الإعلام، قبل السادسة صباحا، في حالة سوء الأحوال الجوية ونوعية قرار الإغلاق، أي ما إذا كان لفترة الصباح أو ليوم كامل أو تأجيل، وفي حالة طلبة الفترة المسائية سوف يكون الإبلاغ قبل الثانية بعد الظهر.. يرجى الانتباه إلى أنه من الضروري أن تُتَابع وسائل الإعلام التالية للحصول على معلومات بشأن الإغلاق: شبكة قناة الإذاعة والتلفزيون: (سين سين)، والموقع على النت هو:.... وشبكة قناة الإذاعة والتلفزيون: (صاد صاد)، والموقع على النت هو:... علما بأنه سوف يتم الإعلان تباعا على الموقع الرسمي للجامعة عن آخر التطورات، كما سيتم إرسال رسالة نصية على الهاتف المحمول لجميع المسجلين في القائمة من طلبة وموظفين وهيئة تدريس، وسترسل أيضا رسائل تنبيه للجميع على البريد الإلكتروني، أما بالنسبة للمكاتب الأساسية، فسوف تستمر في العمل في حالة توقف الدراسة، وهي: خدمات الأغذية، المرافق، ومكتب الشرطة الخاص بالحرم الجامعي، ونريد أن نؤكد للجميع أننا سوف نبذل قصارى جهدنا لضمان سلامة وأمن الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والموظفين، وفي حالة تواجد حالة طارئة في مثل هذه الأوقات يرجى الاتصال بمكتب الأمن على الرقم التالي:....".

والآن هل توجد صفحة مثل هذه على أي موقع من المواقع الرسمية لأي مؤسسة تعليمية لدينا؟! هل توجد لدينا تغطية إعلامية مع الحدث وقت الحدث، عدا الشريط الإخباري المصور لأحداث الأسبوع؟! معهم حق يجب أن نحافظ على سلامة مراسلينا من أجل فعاليات أخرى! إن عدم الاستعداد وتضافر الجهود والتغطية الشاملة وعلى أعلى المستويات من المهنية، وليس الطقس، هو ما يخلق الفوضى، ويعرض حياة الكثير للخطر مع ضياع الممتلكات وأحيانا الأرواح، إضافة إلى التعرض للضغوط النفسية من جراء الخوف والغضب المقرون بشعور قاتل اسمه "قلة الحيلة"... لن أكمل، هل تنتظرون أن أضع نهاية للمقالة من عندي؟ لم تحزروا... لأنني أنتظر بداية أتمنى أن تكون هي النهاية لكل ما نشاهده من مسرحيات درامية، وسأقف أنتظر معكم الدور، ترى ما هو رقمي؟!