غدا يبدأ مجلس الشورى الالتقاء بممثلي مجالس المناطق، هدف اللقاء جميل ومهم، وهو تحقيق التوازن التنموي بين مناطق المملكة، وهو هدف تسعى القيادة إلى تحقيقه منذ الزيارة التاريخية التفقدية التي قام بها خادم الحرمين الشريفين قبل نحو خمس سنوات، اللقاء من أجل تحقيق هذا الهدف رائع وجميل ومهم، لكن المشكلة هنا تكمن في عدم قدرة مجالس المناطق ومجلس الشورى على تحقيق الهدف مهما وضعوا من آليات واتفاقات بينهم لتحقيقه، والسبب ببساطة أنهم لا يملكون تقرير ذلك، فهم في أحسن الأحوال لم يتجاوز اتفاقهم وآلياتهم أكثر من أن يكون اقتراحات غير ملزمة لأحد، يحيلونها إلى الوزارات المختصة لتأخذ منها ما تشاء وتدع ما تشاء، وحتى هذه الأخيرة – أقصد الوزارات المختصة – لا تملك فرض ما تشاء في الميزانية لأن للميزانية جهتها المختصة في وزارة المالية التي تقبل وترفض كما تشاء، وما دمنا وصلنا إلى مربط الفرس المتمثل في الميزانية، فإن تحقيق التوازن التنموي يبدأ منها وينتهي إليها، فكيف يستطيع ممثلو مجالس المناطق ورؤساء اللجان المتخصصة أن يناقشوا ويبحثوا في أمر لا صلاحية لهم فيه بل ولا دور لهم وإنما مجرد توصيات ومقترحات لا يتجاوز معظمها الورق الذي سطرت عليه.
إن المنطق يقول إن تحقيق التوازن التنموي بين مناطق المملكة يتم عن طريق الميزانية، ولتحقيق الهدف عن طريق الميزانية لابد أن تناقش هذه الميزانية من قبل ذوي الشأن المعايشين لمطالب التنمية في الواقع، وأقصد الذين يعيشون في المحافظات والمناطق ويرون ويعرفون أن بناء المدارس والمصحات مقدم على تشجير الشوارع وتزيين الحدائق – مثلا، ونحن الآن لدينا مجالس محلية في المحافظات ولدينا مجالس مناطق ولدينا مجلس شورى، فما المانع من وضع آلية لمناقشة توزيع الميزانية السنوية الخاصة بمشروعات التنمية بين هذه الدوائر الثلاث، بحيث تعرف كل محافظة نصيبها من الميزانية للتنمية فتوزعها حسب قاعدة الأهم فالمهم، وتعرف كل منطقة نصيبها فتسعى لتحقيق التوازن بين محافظاتها، ويعرف مجلس الشورى نصيب كل منطقة فيسعى إلى تحقيق التوازن بين المناطق ويكون له صلاحية تقرير ذلك في ضوء صلاحيات مماثلة لمجالس المناطق، إن مكمن المشكلة في تحقيق التوازن التنموي واضح ولا يحتاج إلى نقاش ولا إلى مداولات، فلماذا لا نختصر الكلام والاجتماعات ونلج مباشرة إلى لب المشكلة ونفككها ونضع نقاط الحل.
هناك الآن مشروعات ضخمة تنفذ في مختلف المناطق هذا أمر واضح ومعروف، ولكن لا مجالس المناطق ولا مجلس الشورى يعلمون كيف ولماذا اعتمدت، فهناك توازن تنموي لابد أن يراعى وتبعا له هناك أولويات تنموية لابد أن ينظر إليها، ولو كان هذا التوازن وهذه الأولوية موجودة منذ سنوات لما شاهدنا الجسور والأنفاق في جدة – مثلا – ومشروع الصرف الصحي وتصريف السيول لم تكتمل، ولما شاهدنا التوسع في بناء الحدائق هنا وهناك بينما نحتاج مدارس ومصحات، ولهذا فإن تحقيق التوازن مرهون بوضع الميزانية بين يدي مجالس المناطق ومجلس الشورى وإعطائها صلاحيات إقرارها وبدون هذا لا توازن. الميزانية هي لب المشكلة ومفتاح الحل.