يجب استخدام القلم مع الكتاب، وحصد أفكار جيدة حاول أن تغرسها مع أرقام صفحاتها في أول صفحات الكتاب الفارغة، وبذلك ترجع لها دوما فهي أفكارك التي تستفيد منها دوما.

كنت في زيارة للمثقف العلواني فوقع نظري على كتاب (33 قاعدة استراتيجية في الحرب) وهو الكتاب الثاني لروبرت غرين الذي كتب (القوة)، فاختطفته وبدأت أتصفح قصصه الأثيرة المثيرة. ومباشرة كتبت في الصفحة الأولى منه إشارة إلى ص (316) عن قصة العبد فردريك دوجلاس والإقطاعي توماس أولد والجلاد روبرت كوفي، وهي قصة سوف أسردها في مكان آخر. نظر لي الأخ العلواني بشيء من العتاب وقال تمنيت ألا تكتب عليه فهو يخص رجلا مهما ذا منصب متألق ومقام رفيع أن يتلقى الكتاب بدون (تشاخيط وشخبرة . عفوا) قلت له حسنا هذا الكتاب اطلعت عليه لأول مرة عند أبي إبراهيم صديقي المقاول المثقف الذي يعمل نهارا مع العمال والمليسين والبلاطين والمساحين والحمالين والمطينين، مطبقا قول من يقول عن البناء والعذاب والشقاء في رفع الأبنية والفلل. هو عمل في الشموس ومعاشرة التيوس وإهدار الفلوس وإزهاق النفوس.

نعم دوما تحدث حوادث في البناء وأنا شخصيا عاينت موت صديقي المهندس أبي طه أمام الفيلا التي بنيتها في الجولان بجهد ست سنين فلم أسكنها.

نظر لي الأخ جميل وأنا أتصفح كتاب الحرب لروبرت غرين وقال إنه شدني فعلا. قلت له إنه ثاني كتاب لهذا الجني روبرت غرين في التأليف.

ولكن الأسطر الأولى لم ارتح فيها تماما وعرفت أن هذا الكاتب يمشي على نفس النحو التشاؤمي مع كتابه الأول عن القوة، وأن العالم مظلم ظلامي والأساس هو المراوغة والنكد والكيد والاقتتال والاحتراب.

وأنا لايهمني وجهة نظره ولكنني آثرت الاطلاع على الكتاب عسى أن أعطي خلاصة عنه لاحقا.

المهم هذه عادتي وديديني في حفر الكتب أثناء قراءتها في أخذ خلاصات فكرية من الكتاب، وكتابتها على الصفحات الأولى منه لأهم ماورد فيه حسب وجهة نظري أستطيع الرجوع لها دوما، وهي عادة أنصح بها القاريء فإن لم يكن فليفصل أوراقا صغيرة يجمع فيها هذه الخلاصات الغنية.

وكلا الكتابين أي القوة والحرب أخرجته العبيكان بأكثر من طبعة على أساس أنه الكتاب الأكثر مبيعا وهو يستحق هذا اللقب، فلقد وقع الكتاب أي الأول القوة والذي ترجمه البيجرمي بعنوان كيف تمسك بزمام القوة، وقع أول مرة تحت نظري حين قرأت مقالة نشرتها مجلة دير شبيجل الألمانية في أعقاب صدور بحث نفساني خطير بعنوان التجربة.

وهي ثاني مرة أقرأ فيها عن هذا الموضوع عن تجربة خطيرة وقعت أيضا في جامعة ستانفورد في أمريكا قام بها طبيب نفساني، وقام فيلم الرئيس الفرنسي في عرض هذه التجربة على نحو مروع خلاصتها أن الإنسان يجلس في صدره وحش جاهز للانقضاض في أي لحظة، فقد قسمت التجربة المتطوعين قسمين واحد يعطي الأسئلة والثاني يجيب فإذا قصر الأول وأخطأ لسعه بالكهرباء.

من العجيب أن هذه النكتة تحولت إلى واقع مروع من جلادين ومضطهدين بحيث لجأ المجربون إلى إيقافها بعد أيام ونقل البعض إلى المشفى من ضربات التعذيب والاقتراب من حافة الجنون.

وهو مايفسر لنا كيف رأينا مع أحداث ثورة تونس كيف كان يضرب التونسي التونسي ضربا مبرحا. فهذه هي آلية السيطرة والانصياع... وأيضا التحرر من الخوف. فأعظم شعورين يدمران الإنسان هما الخوف والحزن. لماذا. لأن الحزن تجميد في الماضي والخوف حالة هلع مما سيأتي وبذلك ينحبس الإنسان في خانتين ويلجم بسلسلتين. ولذا قال الرب عن الصالحين "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون"...

إذا من التأسيس المعرفي مسك القلم مع القراءة، بل وأحيانا التلوين لتسطير أهم مامر فيبقى في الذاكرة..