في كتابه الشهير "نقطة التحول" (Tipping Point) قدم مالكولم جلادويل (Malcolm Gladwell) هذا المصطلح ليعبر عن اللحظة السحرية التي تمثل نقطة تحول دراماتيكي في مجرى أي أمر وتَعبُر من خلالها الفكرة أو السلوك الاجتماعي عتبة التغيير (threshold) وتنتشر بعدها مثل النار في الهشيم، وهذا الأمر ينطبق على صعيد بروز موضة تجارية بسرعة لافتة أو حتى فكرة عقلية تجد بين ليلة وضحاها مكاناً بين آلاف العقول وكأنها فيروس ينتشر، ومالكولم جلادويل نفسه شبه الأمر بأنه مثل انتشار "الوباء".
ومن خلال رصده لبعض الأحداث ومحاولة تحليلها يقدم من خلال كتابه فكرة وجود "نقطة تحول" دائماً خلف التغير السريع للأفكار والأحداث والسلوك الاجتماعي، أشبه ما تكون بلحظة انفجار تفصل بين فيروس يحاصره العلماء في المعامل وبين خروجه عن السيطرة وانتشاره في العالم، ومن خلال هذا الرصد يحلل الديناميكيات الاجتماعية خلف مثل هذا التحول السريع، ورغم أن جل اهتمام كتابه يتركز على التحولات والتغيرات الاجتماعية العامة مثل صعود نجم برنامج تلفزيوني أو حتى موضة ملابس، إلا أن النموذج الذي يقدمه جلادويل يساعد أيضاً على النظر في وتفسير بعض الأمور التي تدخل في نطاق السياسة.
هنا تبرز بعض المشاهد بقوة، فالثورات الشعبية الشبابية تكون بعيدة تماماً عن توقعات كل المحللين أو المتابعين، وبالمثال فإن جلادويل يشير إلى أنه في بعض الأحيان تكون سلعة ما متوافرة في الأسواق بكثرة ولكن شيئاً ما يحدث ويتم التحول السريع فتصبح هذه السلعة بين يوم وليلة هي الموضة السائدة وتختفي من الأسواق ويصبح الطلب عليها عسيراً حتى في السوق السوداء، والسؤال هنا كيف يتم هذا الأمر؟
في بعض الأحيان، تكون الأمور أوضح مما نعتقد، ففي الحالة العربية بشكل عام؛ جميع المحللين يشيرون إلى أهمية التنبه لوضع الشباب العربي، ولطالما كانت شعارات مثل "بطالة الشباب قنبلة موقوتة" رائجة حتى ظن البعض أنها جزء من نسيج الخطابات لا أكثر، ومن ثم فإننا نعي في أغلب الأوقات أن أمراً ما على وشك الحدوث ولكننا نعجز عن توقع متى وكيف؟ مثل السلعة الجيدة التي نعي أنه لا بد أن يقبل عليها الناس ولكن لا نملك التحكم في التوجه العام الذي تكون له حركيته الذاتية.
هذا المنطق يمكننا من تفسير الأحداث العربية المتتالية، وهو نفس المنطق الذي يجب أن نرصد به التحولات الجارية اليوم على امتداد العالم العربي، فالأساسيات أمامنا اليوم: نحن نعيش في عالم يشهد تحولات جذرية نتيحة العولمة وهذه التحولات أثّرت وتظل تؤثر علينا سواء قبلنا بذلك أم لم نقبل، والشباب العربي الذي يمثل اليوم أكثر من 50% من مجتمعاته وفي بعض الأحيان ما يقارب 70% له متطلبات حقيقية على أرض الواقع إن لم يتم التنبه لها فإنه سوف يشكل حتماً نقطة تحول قد تنفجر بين ليلة وضحاها، وهنا يعود السؤال كيف ومتى؟
هذا السؤال هو ما أثبت التاريخ والأحداث الجارية أنه لا يمكن التحكم فيه أبداً، وبالتالي فالدروس البليغة تقول: إن التعامل مع الأساسيات لا يتم إلا من خلال الأساسيات.
شباب العالم العربي له متطلبات اليوم تنطلق من تفاعلهم مع العولمة بقدر ما تنطلق من تفاعلهم مع واقعهم الاجتماعي والسياسي، فحصول الشباب على سكن وفرص للعمل والزواج لم تعد من الأمور التي يمكن للحكومات التقصير فيها والشباب العربي الذي لم يعد خافياً عليه اليوم ما يجري في العالم من حوله فهو قد يقبل عدم تمكن حكومته من تقديم هذه الأمور إذا كانت خارج استطاعتها، ولكنه لم يعد يقبل التقصير غير المبرر، فالشباب باتت لديهم القدرة على التفريق بين الحالتين، وليس أدل على ذلك من الحراك الشبابي الذي يشابه كرات الثلج اليوم في كل مكان.
إن كل دولة عربية لها خصائصها التي لا تشابه فيها دولة أخرى، ولكن تظل الأساسيات متشابهة في كل دول العالم، ومن ثم فإن التحدي الأهم أمامنا اليوم هو أن نعي أن الشباب العربي بات نقطة التحول التي لا مناص من حدوثها، وبدلاً من أن نسأل متى وكيف، فإن بإمكاننا التفكير في كيفية تحويل وتسخير طاقة الشباب للبناء بدلا من أن نستفيق في يوم لنجدهم عامل هدم.