كل شيء يمكن تقنينه وتنظيمه إلا الأخلاق والقيم. فهي صناعة شعبية متجددة تتوالد بصفة مستمرة بالامتداد الأفقي للمجتمع وبالعمق الرأسي لأفراده. القيم لا تصنعها القوانين ولا تحميها الأنظمة. والقيم لا تخص جيلا بذاته ولا جماعة دون أخرى. أصبحت هذه القيم تتشكل مؤخرا من الشباب أكثر من كبار السن، وصارت تعتمد على الفرد أكثر من اعتمادها على الجماعات. وأصبحت تتشكل عبر وسائل الاتصال أكثر من المؤسسات التربوية أو الإعلامية أو الأسرية.

خطأ قاتل أن نتعامل مع "المنشآت" الإلكترونية، سواء كانت مواقع أو صحفا ومنتديات أو مدونات إلكترونية، على أنها مؤسسات إعلامية يتم تنظيمها ورقابتها من قبل وزارة الثقافة والإعلام كجزء من المنظومة الإعلامية. فهذه "المنشآت" الإلكترونية في الحقيقة هي وسائل اتصال اجتماعي، وليست وسائل إعلام حتى لو احترف بعضها العمل الإعلامي. يجب أن نستوعب أن التقنية المتاحة حاليا وفرت منابر فردية، فأصبحت ثقافة الفرد وقناعات الفرد وسلوكيات الفرد تجد لها طريقا سهلا للمجتمع والثقافة العامة. وبالتالي يسهم أي فرد مباشرة في تشكيل القيم والأخلاقيات السائدة. وقد أفسح هذا الكم من القيم والأخلاقيات إلى أن يفقد المجتمع توازنه أحيانا واهتزت علاقات أفراده التقليدية، وقد نحتاج لبعض الوقت ليستعيد المجتمع توازنه. "المنشآت" الإلكترونية لا يمكن تصنيفها بأي حال من الأحوال على أنها وسائل إعلام بقدر ما هي وسائل اتصال اجتماعية مثلها مثل الجوالات والبريد الإلكتروني والاستراحات، والمقاهي، و"الكافيهات".. فهل تستطيع وزارة الثقافة والإعلام أن تنظم أو تراقب ما يدور في تلك الأطر، لا يمكن أن نطلب من صاحب كل جوال أن يحدد رئيس تحرير لجواله.. ولا يمكن أن تراقب أو تنظم الوزارة النقاشات والدردشة التي تدور في الاستراحات مثلا أو الأخبار التي يتم تداولها في المقاهي والمجالس؟ نخطئ كثيرا إذا اعتقدنا أننا نستطيع أن ننظم أخلاقيات المجتمع وقيم أفراده أو نراقبها كأي تنظيم إداري أو فني أو مالي أو قانوني.

ما نستطيع أن نقوم به انتصافا لقيمنا وأخلاقياتنا هو رفع مستوى المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد.. كل فرد. ومسؤولية الفرد الاجتماعية تتطلب تقديم تنازل عن مساحة من مسؤولية المجتمع لصالح "فوضى الفرد المسؤولة". هذه المساحة من الفوضى تسمح للفرد أن يختبر قدرته واستعداده لتحمل المسؤولية بالإبداع. ولكي تكون هذه الفوضى مسؤولةً، يتطلب إقرارا بحق الفرد بالخطأ باعتبار الخطأ أحد أساليب تعليم الفرد وتنضيج المجتمع عن طريق تفاعل المجتمع المحلي مع الثقافة المحلية.

نعم الفوضى.. لماذا لا نعترف بفضل "الفوضى" وأهميتها وإعطائها الفرصة الكافية لنستمتع بأشمل "تنظيم تلقائي"؟ ولماذا لا نجرب أن نعطي جيل وسائل الاتصال الفردية، فرصة في ممارسة ذاتهم الحقيقية حتى يصلوا بسقف فوضويتهم مداها وبعدها سيتراجعون ويستقرون عند خط معتدل للقيم والأخلاقيات وذلك بالتجربة؟ لماذا لا ندع الناس يعرفون الخطوط الحمراء بقناعتهم وبحسهم بالمسؤولية ولا نقوم بذلك بالنيابة عنهم؟ فحتى التنظيم بمفهومه الإداري والنظام بمفهومه القانوني لم يتأتيا إلا نتيجة تجارب مفتوحة هي نتيجة الفوضى المسؤولة في معرفة واستكشاف أساليب التنظيم والنظام. ولماذا لا نتعلم من أن الفوضى حين ننضجها على نار هادئة مليئة بالدروس المفيدة وليست مشكلة الفوضى إذا لم نتعلم منها دروسا أو أننا لم نحسن إدارتها من بعيد.

هي ثقافتنا "المكان-زمنية" التي صنعتنا وقولبتنا، لتجعلنا غير طبيعيين وأعطت المسؤولية لطرف آخر يقوم بها نيابة عن الفرد حتى فقد الفرد روح المبادرة وأصبح اتكاليا بكل شيء ويسند أدق مهامه الشخصية لمن يقوم بها نيابة عنه. فالطفل يلقي بمسؤوليته في التعليم على أبويه وعلى المدرس، ومسؤولية البيت أصبحت على السائق والشغالة والمربية، ومسؤولية الكبير تلقى على الصغير ومسؤولية المرأة تلقى على الرجل، ومسؤولية المدير تلقى على الموظف ومسؤولية المواطن تلقى على غير المواطن، ومسؤولية العمل التطوعي تلقى على الحكومة.

ثقافتنا (المكان-زمنية) هذه تجنح دائما إلى الاعتقاد بإمكانية وجود إنسان بلا خطأ، مع أن هذا الاعتقاد يتنافى حتى مع الفطرة البشرية، فهل هناك بشر لا يخطئون؟ لا أريد أن نستبيح المحظورات. فالخطأ الفادح إذا أُرتُكِبَ بحق آخرين، هناك "التسامح"، وبعد "التسامح" هناك القضاء والمحاكم وفقا للأنظمة المعمول بها والتي تجرم تجاوز الخطوط الحمراء.

يكفي الفوضى الإلكترونية فضلاً أنها عرفت المجتمع على تفكير السيء والجيد للناس، المعتدل والمتطرف. وعرفت المتطرفين في اليمين على المتطرفين في أقصى اليسار. وهذه خطوة مهمة في تقريب النقيضين إلى منطقة الوسط تقليص مساحات التطرف، فصرنا نلحظ مؤخرا انحسارا لحماسة بعض القبائليين والمذهبيين والطائفيين كمرحلة طبيعية للنضج التقريبي الذي يصله كل مجتمع لكن طبعا لا يمكن أن يخلو منه أي مجتمع. فالمتعصبون غالبا يتمترسون وينغلقون على أفكارهم فقط ولا يختبرونها مع أفكار غيرهم. وقد نجحت الفوضى الإلكترونية بالقيام بهذا الدور. فلماذا لا ندع الكل يعرض بضاعته ويرى بضاعة غيره حتى يصل الوسط نسهم بتوسيط أكبر عدد ممكن من الناس.