المسافة ما بين شرارة الثورة في الشوارع العربية وشمعة الأمل والمستقبل ما زالت شاسعة هائلة وقد أكون منطقياً إن قلت: إنه لا يوجد رابط أو طريق طويل ما بين الشرارة والشمعة. مخطئ جداً جداً من يظن أن كوارث الوضع العربي المأزوم هي لسبب وحده من الحكومات والأنظمة. أول كوارثنا هي العقل والعقلية. جربت بعض الدول العربية أن يكون لها ـ رئيس سابق ـ وعلى قلة هذه التجارب إلا أن نتاج العمل الديموقراطي العربي قد أدى بهذه الشعوب إلى القاع. اسألوا نماذج لبنان والجزائر والعراق حيث البرهان القاطع على أن الفارق بين أسوأ نظام أو أفضله سيظل هامشياً ثانوياً. وفي تقرير عن مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة لندن، قرأته بحر الأسبوع الماضي، فإن العقود الأربعة الأخيرة قد شهدت ـ توزير ـ ما يناهز تسعة آلاف حزبي أو تكنوقراط في منافذ قلب القرار التنموي أو الإداري في الدول العربية. والقصة في هذا الرقم الضخم من طوابير الوزراء بالآلاف تقول أيضاً شيئاً واحداً مثلما أظن: إن الشحمة من طرف اللحمة وأن هؤلاء الوزراء بالآلاف لم يأتوا من زحل أو الزهرة بل من بين الآلاف الأخرى التي تتظاهر اليوم في ذات العواصم وما الذي سيتبدل لو أفرزت هذه المظاهرات من جديد عشرة آلاف وزير في العقود الأربعة القادمة. أول كوارث العرب هي الموارد، وإلا لماذا نجحت الرياض أو الدوحة أو أبوظبي وماذا سيفعل ألف وزير جديد في قصور الحكم العربية كي يستطيعوا أن يقدموا لشعوبهم طريقاً رابطاً ما بين الشرارة والشمعة؟ لا شيء سوى الأمل في النزاهة والإحساس بالضمير، والنزاهة والضمير لا يحلان قصة الفقر ولن يرقعا (شلع) البطالة. تقول مجلة ناشيونال جيوجرافك بين يدي الآن في عددها الأخير لهذا الشهر (ص3) إن عدد سكان العالم العربي منتصف القرن الماضي قدر بحوالي 76 مليون نسمة وإنهم اليوم 350 مليوناً وسيصل إلى ما يقرب من نصف المليار بعد قرن واحد فقط من الرقم الأول في عام 2050. هل تحتمل هذه الأرض الصحراوية الفقيرة بالموارد أن تطعم كل هذه الأفواه لنصف مليار تعيش على نهر ونصف. تأملوا هذه الحقائق ثم واجهوا الحقيقة.