إنه (قانون سبينوزا) القراءة حتى لذة الفهم!

يجب أن نقرأ كما يقول سبينوزا حتى نصل إلى لذة الفهم وشاطئ الحبور والبهجة، إنها ثمرة من أغصان شجرة لا تكف عن الالتفاف والسموق والانتشار.

وهي عند الصوفية تلك الحالة الروحية من المتعة التي يشعر بها عباده المؤمنون من إبصار الحقيقة والاقتراب من نور الهداية؛ فينشرح الصدر فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله.

وحسب ابن تيمية فقد رأى أن انشراح الصدر يأتي من أمرين العلم والذكر، ألا بذكر الله تطمئن القلوب..

والقراءة تأتي بمتعة كبيرة ولكن في النهاية مثل نهاية أغصان الشجرة بالثمر والتمر.

ويروى عن العقاد المصري صاحب المؤلفات أنه كان يقرأ كل يومه من الفجر إلى العشاء الآخرة، وعنده لقاء أسبوعي مع الناس، وهناك أماكن وغرف لقراءته؛ فالصباح في مكان ومقعد، وفي الظهر في غرفة مختلفة، وعند المساء في مكان قصي.

وفي الواقع فإن الجيل الحالي طلَّق الكتاب وعشق الرباب والغناء حتى الإياب، والمعرفة لا تبنى مشافهة بل بالمعاناة والحفر في المتون، مع قنص المعرفة من الكتب والبطون.

وفي العادة فإن أول القراءة شاق، ونصفه سهل حدر، ونهايته لذة ونشوة وبهجة واستغراق، لمن صبر وغفر وأناب وصابر. فتفيض الكتابة شآبيب رحمة من دماغ تخمر، وامتلأ وازدحم برفوف المعرفة.

وفي القرآن الصبر درجات، يا أيها الذين اصبروا وصابروا. فحين ينفد معين الصبر على القارئ ترويض النفس على القراءة والصبر عليها والاصطبار.

أذكر أنا من تجربتي الخاصة أنني كنت أحمل كتابي إلى البرية والفلا فأناجي الطير والسماء، وأحاول القراءة فتستعصي عليّ نفسي التي بين جنبي وتقول ليس من مزاج. فأحملها حملا على القراءة فتأبى وتنفر، وما أزال في عراك وصراع حتى تلين النفس كما يروض الحصان الجموح، فإذا بدأت واسترسلت طابت القراءة خاصة في الوقتين قبل شروق الشمس وقبل غروبها فسبح ولا تنس.

ومن الأمور التي حدثت معي قبل أن تلين الكلمة لي ليس في القراءة ولكن في كتابة المقالات، أن المقالة الجيدة الموسعة كانت تأخذ مني جهد أسبوع مع استنفار النفس الشديد وتهيئة المكان وإحضار عشرات المراجع الموسوعية، مع ذلك كانت النفس تنفر أحيانا وليس ثمة من مزاج لكتابة أي سطر في أي بحث؟ فكنت أروض نفسي ولم يكن سهلا، فأحضر فنجان قهوة فأدلقها في أمعائي عسى أن يشحذ الدماغ بدون فائدة تذكر فالدماغ سكين كليل وعقل مليل؟ وأحيانا تهيئة الأقلام الملونة عسى أن تنفتح مجارير البحث ونوافذ النفس. ولكن ما من مجيب. وهكذا يضحك الإنسان على نفسه كما يقول القرآن: (انظروا كيف كذبوا على أنفسهم) وهو مصطلح عجيب فنحن نعرف أن الإنسان في العادة يكذب على الآخرين، ولكن هناك حالات شاذة عجيبة يكذب الإنسان فيها على نفسه كما رويت.. واعترف للقارئ أنني كنت من ألمانيا قد أحضرت حبوب (الري أكتيفان) من أجل تنشيط النفس للكتابة حين الملل والعجز؛ فكانت تنفعني فتنتعش الروح، وينشط العقل من عقال، وأبدأ في الكتابة فتتدفق؛ حتى كان ذلك اليوم الذي ظننت مع تناول ذلك القرص أنني سأموت فطلقت الحبة والدواء وعرفت أن دماغ الإنسان فيه من الاستعداد الخفي أن يستنفر، وهذا هو مفتاحه..

في قناعتي أن منشطات الكتابة والفكر هي تمرس طويل وحدث جالب وحظ ووقت ومال ومكان وطول دربة ونفس طويل..

أخيرا لانت لي الكلمة كما لان الحديد لداود بحمد الله فأصبح بإمكاني أن أكتب في أي ظرف ومكان، بدون حبة ومنشط وقهوة وشاي. ولو كانت مع فرقعة العجلات، وحراج الغنم والسيارات، وصخب الماكينات وزعيق الأبواق فعقلي يسبح في قطبه البارد الشمالي ينتج المعرفة شرابا سائغا للقارئين اللهم لك الحمد آمين..

أفضل الأوقات الصباح مع الأفق الملاح في شاطئ البحار مع نسمات منعشات بجنب زوجة وفية مشجعة وعائلة مع قهوة ساخنة بريح زكية.