الشعب الذي يتظاهر بمئات الآلاف من أجل الحرية، من أجل الضمير، من أجل الإصلاح، من أجل النزاهة والمحاسبة، من أجل حقوق الفرد، من أجل الأمن والعدالة: من أجل كل ما سبق، ومن أجل كل الشعارات البراقة لا يمكن له أن يسرق، لا يمكن له أن ينهب ولا يمكن له أن يسمح لنفسه أن يرتكب بكل فظاعة عكس القيم التي يرفعها في التظاهر. تشعر بالحزن والأسف وأنت تراقب التظاهرة المصرية الشاملة ترفع كل الشعارات الجميلة في ضوء النهار ثم تتحول في ظلام الليل لتفعل ما تتهم الحكومة به: نهب يحمل على الأكتاف ما استطاعت اليد أن تصل إليه وما تتحمل العضلات أن تحمله: الكراسي، أسطوانة الغاز، أباجورة النور، المكيف، جهاز الحاسب وطاولة القهوة الصغيرة أمام المكتب. تأسف وأنت تشاهد ذات السواعد التي ترفع الشعارات في النهار وهي ترفع ـ المنهوب ـ من المحلات التجارية أو المباني العامة في الليل. تشعر بالتناقض من الأفواه التي تتهم الحكومة بالسرقة في وضح النهار، ثم تعود لممارسة ذات الفعل بعد الغسق. مساء الجمعة الماضي وقفت على قصتين مباشرتين وأنا أتسمر خلف الشاشات أراقب المشهد المصري. على قناة العربية كان المخرج السينمائي المصري الشهير خالد يوسف يصرخ لنجدة المتحف المصري وقد حاصره آلاف المتظاهرين وكان ـ إرث مصر ـ وتاريخها وديوان حضارتها على بعد أمتار ومسافة دقائق من أن ينهب. ومصر تتحمل أن يسرق منها أي شيء وأن تفقد كل شيء إلا هذا المتحف العملاق على الجهة الأخرى لميدان التحرير.
حبس كل غيور على مصر أنفاسه لخمس وأربعين دقيقة كان فيها بعض الشباب يواجهون آلاف المتظاهرين على أسوار المتحف حتى وصلت مدرعات الجيش المصري لتحتل الساحة الشهيرة إلى مدخل المتحف، وكان المتحف المصري، إرث مصر وملكيتها الأشهر وعلامة جودتها الأشهر، أول بناية حقيقية تدخل إليها المدرعات والمجنزرات لحماية مصر من بعض أبناء مصر. لحماية المتحف المصري من السرقة التي تظاهر من أجلها بعض الذين رفعوا الرايات والشعارات ضد السرقة. على قناة البي بي سي البريطانية يظهر صحفي مصري من أشهر صحفيي مصر ليبرر جهاراً وعلناً حوادث النهب التي اندلعت ما بين العاشرة مساء حتى منتصف ليلة الجمعة.
تشعر بالدهشة لأن ضمير الصحفي الذي يجب أن يتحلى بالحياد والأمانة والمبادئ كان يقول علناً على شاشة التلفزيون: إنها ثورة الفقراء ضد الأغنياء فمن هو (س) أو (ص) (في إشارة لأسماء تجارية) إلا أباطرة المخدرات الذين نهبوا موارد الشعب. وحين سأله مراسل هيئة الإذاعة البريطانية: وهل أنت تدعو هؤلاء المتظاهرين إلى النهب والسرقة أجاب: نعم هذا هو حقهم الطبيعي. ومن عندي، نعم، هذا هو الفعل الطبيعي: أن يسرق وينهب كل من استطاع وبمباركة عضو مجلس إدارة نقابة الصحفيين.
البراهين تقول إن البيضة من الدجاجة وإن الدجاجة حاضنة البيضة. يتظاهرون ضد حكومة ـ كما يقولون ـ تسرق الشعب، وشعب تنتهي التظاهرة له نصف المساء بسرقة أملاك الشعب والحكومة. هنا سآخذكم إلى المقابل: إلى تظاهرتي فرنسا العارمة في العامين الأخيرين. في التظاهرة الأولى، شهدت ضواحي باريس وكل المدن الفرنسية الرئيسية تظاهرة ـ الأقليات ـ ضد التمييز الوظيفي مطالبة بحقوق عادلة لهذه الأقليات كي لا يكونوا مواطنين من الدرجة الثانية. ومن المفارقة أن أبناء ـ يعرب ـ وبالخصوص من مستعمرات فرنسا السابقة في الشمال الأفريقي كانوا الأغلب في هذه المظاهرة. ليال طويلة من العنف وإحراق السيارات ونهب المحال التجارية. ما فعله العرب في المهجر هو ما يفعلونه في المقر. في التظاهرة الفرنسية الثانية قبل شهرين شهدت مدن فرنسا خروج ستة ملايين فرد إلى الشوارع احتجاجاً على أنظمة العمل في القانون الفرنسي الجديد. عبروا بحضارية عن حقهم السلمي في الاحتجاج ملأوا الشوارع وضاقت بهم الأرصفة ولكنهم لم ينهبوا محلاً تجارياً ولم تخش السلطة الأمنية على معالم المدن. كانوا يعرفون بكل حضارة حدود الحرية الشخصية للإنسان وحقوق العام على الخاص والخاص على العام. كان البرلمان يقر القانون في اليوم الثالث للتظاهرة العارمة ويبصم على المقترح الذي يتظاهر ضده قطاع عريض من الشعب. لم يصادروا الإرث الفرنسي ولم يتدخل الجيش لحماية هذا الإرث الضخم. لم يشعر إيفل بخوف السقوط ولم يرتعد زجاج ـ اللوفر ـ الهرمي خوفاً من الحجارة. نحن لدينا خلل تربوي. شعور بالرغبة في التدمير. ميل جارف إلى السرقة. كذب في الشعارات: لا فرق فيه ما بين الأنظمة وبين الشعوب.