في البداية، نُدرك أنه لأجل الحصول على محاسبة ومكاشفة للفاسدين والخائنين لمشاريع الوطن، وهو ما نستمده من توجيه خادم الحرمين الشريفين العام الماضي لمحاسبة "كائنا من كان" في كارثة جدة الأولى ثم من غضبه ـ سلمه الله ـ هذا العام حيث الكارثة تكررت لكشف وجه الفساد الأسود على يد هؤلاء، فإن ذلك حتما يحتاج إلى إعلام حرٍ ومسؤولٍ ومهنيٍ وربما أن ما يقدمه الزميل الإعلامي علي العلياني في برنامج "ياهلا" على روتانا يعد نافذة لمعالجة القضايا المحلية بمهنية وحرية مسؤولة، وهو بمثابة نموذج نحتاجه للوصول لمثل هذا الهدف.
من جانب آخر، ولا أتحدث هنا نيابة عن زملاء لي في التلفزيون السعودي بجدة، لكوني أعمل معهم، بل لأني أمتلك شيئا من المعرفة بالعمل التلفزيوني مما يجهله كثيرٌ من المتابعين الذين وجهوا لومهم للقنوات السعودية، ومنهم الشيخ الدكتور سلمان العودة في برنامجه يوم الجمعة، حيث طُرح تساؤلا مشروعا: لماذا لم تجارِ قنواتنا الحدث منذ بدايته يوم الأربعاء في جدة ثم تغطيته بضعف يوم الخميس، وهو ما جعل كثيرين يلومون وزارة الثقافة والإعلام وتوجيههم اتهاما لها بعدم قول الحقيقة، ولا ألوم اللائمين على ذلك؟! ولكن من الواجب توضيح شيء عايشتُ مرارته مع زملاء لي بكل أمانة، والحكم لكم أولا وأخيرا، فموظفو تلفزيون جدة الموكلون بنقل الحدث، مثلهم مثل بقية المنكوبين ذلك اليوم، عاشوا مرارة الكارثة المفاجئة احتجاز السيول لمبنى التلفزيون والإذاعة في جنوب جدة المنكوبة، ومنعهم من الخروج حتى صباح اليوم الثاني، في ظل تعطل بعض الأجهزة من شدة المطر، وكان زملاء لنا يتآكلهم القلق على أبنائهم وزوجاتهم في الجامعة والمدارس المحتجزين! ومع ذلك بذلوا جهدهم في "الإخبارية"، ولا أظن أن القنوات السعودية وحدها كانت ضعيفة خلال تغطية الأربعاء، فحتى القنوات الأخرى لم تستطع ذلك إلا متأخرا، وربما تفوقت في استقطاب ضيوف ناقشوا الكارثة بصراحة، وهو ما احتاج إليه الزملاء في مركز القنوات بالرياض لو تصرفوا بمهنية! وقد يقول القائل، لماذا إذا تفوقت الصحف! أجيب لأني مارست العملين لسنوات!؟ فالصحفي لا يحتاج لفريق، وفي أصعب الظروف تكفيه كاميرا تصوير وقد يكتفي بكاميرا هاتفه النقال، ليرسل من أي مكان الصور ومادته ولو في سيارته الغارقة عبر الوسائط أو جهازه المتطور، وهو ما حصل مع معظم الصحفيين يوم الكارثة وربما يكتفي بمحادثة مقر الجريدة هاتفيا، لتزويد زملائه بالمعلومات، لتخرج باليوم التالي "مانشتات" تجاري الحدث، ولكن ليس هكذا العمل التلفزيوني، إنه يحتاج لفريق يتحرك، مخرج ومذيع ومصور ومهندس صوت!! وفي أحلك الظروف مصور ومذيع يعملان عمل الأربعة، ولكن قطرة ماء واحدة كفيلة بتعطيل الكاميرا البالغة الحساسية!! أما البث المباشر في مثل هذه الظروف فيحتاج لمعدات تقنية وإعلاميين متخصصين لتغطية الكوارث التي لم نعتدها! ومع ذلك لا أرفع اللوم كليا عن الزملاء، فبلا شك أن ضعف المهنية لدى عدد منهم ممن هم موظفون لا إعلاميون بجانب قلة الخبرة في التعامل الإعلامي مع كارثة الأربعاء، كان سببا في ضعف التغطية خلال اليومين الأولين، والإعلام الغربي فيه إعلاميون مدربون لمواجهة الحالات الطارئة في ظل كثرة الكوارث لديهم.
لا أدافع عن زملائي، وكنتُ وما زلت أول من تواجههم بأخطائهم ويعرفني بعضهم جيدا بمدى قسوتي في نقدي الحاد وعملي، في ظل أنه من حق المواطنين أن يروا إعلامهم يجاري الأحداث بواقعية، ولهذا أتمنى تدريب عدد منهم على الإعلام المتخصص في تغطية الكوارث لتغطيتها مستقبلا أجارنا الله منها، وما نقلته هنا عن ظروفهم لم يكن تنظيرا، بل من واقع تجربة عشتُها معهم، فقد احتجزتُ مع زملاء يتجاوز عددهم 130 موظفا في مقر فرع وزارة الثقافة والإعلام وفيه يعمل زملاؤنا بوكالة الأنباء السعودية، وبسبب تسرب المياه بشدة داخل المبنى انقطعت الكهرباء عن بعض الأقسام وانقطعت القنوات الفضائية تماما وتعطلت خطوط الهاتف والإنترنت في ظل سوء شبكة الاتصالات النقالة بجانب انقطاع المياه الصحية، وبقينا لما يقرب 28 ساعة محتجزين، لم نخرج إلا بعد العاشرة صباح اليوم الثاني، بعد فشل محاولتنا الأولى للخروج في مواجهة منسوب الماء المرتفع ليلا مما اضطرنا للرجوع، ورغم مرارة الحصار وقلق بعض الزملاء على بناتهم المحتجزات ومرض بعضهم بالسكر، لم يرتح عدد منهم لآخر الليل، إلا أن بعضا منهم تحول إلى منقذين للأسر العالقة في السيارات الغارقة بقرب المبنى، وتم استقبالهم وإسعافهم، فيما زميل لنا انضم للدفاع المدني لمساعدتهم، فيما مشرف فرع الوزارة بمنطقة مكة المكرمة الأستاذ سعود الشيخي ضرب مثلا رائعا للمسؤول، وهو بمثابة وكيل وزارة، حيث خاطر بنفسه في مواجهة مياه السيل التي أحاطت مبنى الوزارة لأكثر من مترين، وأخذ قرارا بإخراج وتوصيل شخص مسن عانى من أزمة تنفس بعد أن انتشله الزملاء من سيارته الغارقة وادخلوه، محاولا إيصاله لمستشفى الملك عبدالعزيز، ويصله في الساعة الأخيرة التي استطاع الأطباء إنعاشه ليعيش، ثم فاجأنا نحن الموظفين بمخاطرته مرة ثانية للدخول إلينا، وحقه لا يعود بعد نجاح خروجه، لكنه عاد بعد ساعات يحمل أدوية السكر والضغط لزملائنا المرضى، بجانب البطاطين والأطعمة التي لم نتناولها قبل ذلك لمدة 13 ساعة، وفي ظل كل ذلك كان الوزير الدكتور عبدالعزيز خوجة متواصلا معنا مدة احتجازنا وساهرا طوال الليل موجها بتلبية احتياجاتنا، مما خفف على الموظفين، ولم يرتح ولم ينم الوزير حتى خرجنا جميعنا ظهر اليوم الثاني، وأكيد أنه لم يهنأ بالراحة وهو يقدم توجيهاته لمديري القنوات كي يطوروا مهنيتهم في تغطية الحدث الجلل.
وبحيادية أتمنى أن أكون قد عبرتُ عن رأيي الخاص، ولأنه لا يوجد عمل كامل، كان هناك تقصير لدى بعض الزملاء في مركز القنوات بالرياض، في ظل ظروف العمل بجدة، خاصة حين نُقارنه بما نقله لنا الإعلام الجديد، وما أتمناه هو الاستفادة من الملاحظات والانتقادات، فهي حتما نابعة ممن يغارون على تلفزيونهم الوطني ويطمحون أن يكون نافذتهم الأولى.