يعد التعليم الإلكتروني من الاتجاهات الحديثة التي شهدها المجال التعليمي، ويأتي كنتيجة لتوظيف التقنيات الحديثة في هذا المجال، وما زال هناك عدم اتفاق بين علماء التربية حول مسمى هذا الاتجاه، فمنهم من يرى أن الاسم الصحيح هو "التعليم الإلكتروني"، والبعض الآخر يرى أن "التعلم الإلكتروني" هو الأكثر صحة، وهنا لن أدخل في الجدال السائد بين المهتمين بالتعليم الإلكتروني فيما يتعلق بالتسمية، وما أود أن أركز عليه هنا هو أن هذا الاتجاه في واقع الأمر ما هو إلا وسيلة، وأداة للتعليم مثله مثل أي وسيلة تعليمية يتم توظيفها لتسهيل وتيسير عملية التعليم والتعلم، وإذا أصبح التعليم الإلكتروني غاية، أو هدفاً، أو حتى اعتبر من الطرائق التدريسية الحديثة؛ فإنه خرج عن إطاره الصحيح، وتعدى ما هو يسعى إليه من مساعدة في تسهيل عمليتي التعليم والتعلم.
وفي هذه الأيام نشاهد أن هناك سباقا محموما بين مؤسسات التعليم العالي حيال توظيف التعليم الإلكتروني في التدريس لمختلف المراحل الجامعية (دبلوم، بكالوريوس، دراسات عليا) وهذا الاندفاع، أو التحمس لهذا التوجه شيء مقبول، ولكنه لا بد أن يكون مدروسا قبل التوسع فيه، ولا بد من توضيح الهدف منه لجميع العاملين به، والمستفيدين منه، كما أن التعليم الإلكتروني من التوجهات الحديثة وبحاجة لمزيد من الدراسات العلمية التقييمية لمعرفة تأثيره، وفعاليته، ومعوقاته، وسبل تطويره، والاستفادة منه. والتعليم الإلكتروني مفهوم شامل، وواسع، ومعقد، وبحاجة ملحة لتضافر جهود العاملين فيه، والمستفيدين منه لتحقيق أهدافه، ويجب ألا ينظر إليه وكأنه مجرد عملية نقل المنهج، أوالمحتوى التعليمي من صورته الورقية إلى الصورة الإلكترونية فقط، بل العملية أكبر من ذلك، ولها أبعاد مختلفة.
وقد يكون من المناسب توظيف التعليم الإلكتروني بالتدريج في بعض المقررات ذات الطبيعة النظرية، ولا يكون بشكل كلي حتى في المقرر الواحد؛ حيث إن التعليم في أي مرحلة يتطلب التفاعل المباشر بين المتعلم ومن يقوم بتعليمة، فإذا غاب هذا الجانب من العملية التعليمية فإن تحقيق أهدافها سيواجه صعوبات كثيرة، ويكون هناك جانب مفقود في العملية التعليمية، وفيما يتعلق بالمقررات التي لها طابع علمي بحت، فلن يكون التعليم الإلكتروني مناسبا لها بصورته الحالية في ضوء الإمكانات المتوافرة، لذلك يجب أن يوظف التعليم الإلكتروني في تدريس هذه المقررات كوسيلة تعليمية مساعدة، وليس بشكل كلي، لأن الملاحظ أن التعليم الإلكتروني طرح لتدريس بعض المقررات وكأنه طريقة حديثة يُستغنى فيها عن المعلم بشكل جزئي أو كلي، وهذا فيه مغالطة تربوية، لذا فإني مع التعلم الإلكتروني إذا تم توظيفه كأداة، أو كوسيلة تعليمية لتيسير وتسهيل عمليتي التعليم والتعلم على كل من المعلم، أو عضو هيئة التدريس والمتعلم.
كما أن التحمس لهذا التوجه -كما ذكرت- يأتي من قبل أفراد -غالبا- غير متخصصين في المجال التربوي بشكل عام، وفي التعليم الإلكتروني على وجه الخصوص، لكنهم دخلوا هذا المجال من باب الهواية، أو أن لديهم ميولا، واتجاهات إيجابية نحوه، فندرة المتخصصين في مجال التعليم الإلكتروني قد تؤثر على سير التعليم الإلكتروني في هذه المؤسسات، وتطبيق أبعاده المختلفة بالشكل الصحيح، كما يجب ألا نندفع، أو ننبهر بما توصلت إليه الشركات التي تعمل في هذا المجال من إنتاج للبرامج المختلفة التي لها مظاهر براقة، وتعمل على التسويق لها بشكل احترافي، والهدف الأول والأخير لهذه الشركات هو الربح، ولا تهتم بالعوائد التربوية، والتعليمية للتعليم الإلكتروني. وهنا أود أوضح أنه يجب ألا يكون التعليم الإلكتروني بديلا للمعلم في مراحل التعليم العام، أو عضو هيئة التدريس في المرحلة الجامعية، ولا نريد أن نكرر ما حدث في الأربعينيات من القرن الماضي عندما تم توظيف التلفزيون التعليمي في مراحل التعليم المختلفة؛ حيث كان هناك معارضة شديدة للتلفزيون التعليمي وتوظيفه في المجال التربوي خاصة في أميركا خشية أنه سيلغي دور المعلم، وأثره في العملية التعليمية، وتفاعله مع المتعلم، وهنا آمل أن يكون هناك تريث في تطبيق هذا التوجه بشكل متعجل، وأن يكون الهدف من توظيف التقنيات الحديثة كوسيلة تعليمية أساسية في نظام التعليم العالي، وليس مجرد غاية، أو هدف في حد ذاته، وألا يستخدم كوسيلة رفاهية موجهة لفئة معينة من المتعلمين، وأن يتم تقييم تجربة توظيف التعليم الإلكتروني بعد زمن معين حسب الخطة المحددة لذلك، ويكون توظيفه في الحدود التي صدر بها نظام التعليم الإلكتروني التي تتمثل في حدود الربع من كامل ساعات أي البرامج، والتقييم المستمر لذلك.