بعد أن سرق بيتي واثنين من جيراني في ضربة احتراف، من لصوص مدربين، بحرفة مختصين، في جنح الليل والنهار يبطشون، وإجازات المغيبين ينتخبون، شعرت أن ما هو أفظع من السرقة يُسرق، ألا وهو الشعور بالأمن؛ فالمال يعوض، والأمن يفقد، وحاليا لا أغادر بيتي فأصدق حين العودة أنه بأمان فلم يثقب ولم ينقب.
ولذا فالمجرمون اللصوص يسرقون أعز شيء في الإنسان ألا وهو شعوره بالأمان. وحين سكنت في البيوت التابعة للمشافي كنا في أمن وأمان، في كامبات محروسة؛ فلم نعرف تلك النعمة حتى غادرناها، وفي القرآن آية تشير إلى فقد النعم، فيذكر فرعون وقومه كم تركوا من "جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين، كذلك وأورثناها قوما آخرين.." ثم تختم الآية على شكلين في سورتين مختلفتين، الدخان "فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين". وفي سورة الشعراء "كذلك وأورثناها بني إسرائيل .. " مع إضافة كنوز زيادة على مقام كريم.
أعرف نعمة أن يعيش الإنسان خارج الغابة، وهول الغابة المحفوفة بالمخاطر في كل حين من عض حنش وقفزة غوريلا وقرد ولبطة دب ووحيد قرن، وحين استدعيت لرؤية مريض سوداني قد اسودت يداه وبردتا وفارقتا الحركة والحس، ومعها الحياة في مؤشرات حشرجة، تنادي بالموت الوشيك والبتر المحقق، علمت وأنا أفحص المريض أن كارثة منذرة تطوق قدر هذا الراعي البئيس، وكانت ليلة رعب كالعادة، حيث تقرقع الماكينات وتعلو الأصوات ويستنفر نصف درزن من الأطباء باختصاصات شتى، وينتظر المراجعون في يأس وقنوط مصير من معهم من مرضى والإصابة، وما تحمل من إنذار بئيس ومصير مجهول.
قال المسكين وليس من حركة في الأصابع بصوت متهدج: كانوا ثمانية من الصوماليين. لقد شلحوني من مال، ثم ربطوني بأشد من ربط البعير المعبد. كانت أفظع من الحبال.. شيء أشبه بكابلات الكهرباء. هز مرافقه رأسه وقال: كانت فظيعة واحتجنا إلى سكاكين ومقصات الأسلاك لقطعها كأنها أسلاك شائكة.
تابع عثمان قصته: كانت ليلة ليلاء حافلة بالسوء والسوداء والبرد والخوف. بقيت على حالتي طول الليل وما من سميع ولا شفيع يطاع.
واستمرت الحالة أكثر من 12 ساعة من الساعة التاسعة ليلا حتى العاشرة صباحا. وحين نقلت إلى المشفى لم أعد أشعر بألم أو حس في يدي فقد انشلت وعطبت.
حالة مثل هذا تحتاج لاستنفار هائل ليس من أجل التروية الدموية بل من خطر التروية الدموية بعد انقطاع طويل. وهو ما يعرفه جراحو الأوعية الدموية في حالات العاصفة. فالمريض النيبالي مات من هذا الاختلاط على الرغم من قص طرفه أعلى من مفصل الركبة. والثاني الشاب السعودي بترت ساقه حين اضطربت أوضاعه فنجا بعد أن قاربه الموت فكان قاب قوسين أو دنى، والثالث السوداني نجا لأن التداخل الجراحي جاء في وقته قبل مرور ست ساعات.
يسمي الأطباء هذه الفترة الزمنية بالوقت الذهبي، وتفسير ذلك أن حالات انقطاع التروية الدموية (Ischaemia) لا يوازيها في هذا شيء، فجراح العظام يمكن أن ينتظر مع أنه يجب أن يتدخل فورا، كما رأيت ذلك في ألمانيا، وهنا يتركونه على الشد أمدا يطول ويقصر.
أما الأوعية فهي سباق مع الزمن في حدود ساعات قليلات يحددها البعض بست ساعات فإذا فارقها تيبست الحياة وودعت إلى الممات، وهنا تصبح سمعة الطبيب على المحك والويل له إن نام أو غفل أو قصر وتثاءب.
بعد نجاح العملية لا تعتبر نجاحا حتى يصل المريض إلى شاطئ السلامة بعد أن يمر في عواصف من إنتان الجروح، وزوابع ارتفاع الحرارة، وأمواج القصور الكلوي الهائلة، وهبوطات انخفاض هيموجلوبين الدم.
وعينا الجراح كعيني قط لا يعرف إلا نصف النوم ومع كل رنة تلفون تبلغ القلوب الحناجر، هل من حدث جلل وأمر خطير يعصف بالمريض ومصيره والجراح وسمعته؛ فإن نجح حُسِد. وإن فشل ضحك عليه الزملاء وشمتوا. وإذا مروا به يتغامزون.