حين كتبتُ عن الزمن التلفزيوني الجميل، ارتأى أحد الأصدقاء الكتابة عن بعض رموز ذلك الزمن، وهم رموز بحق؛ لأنّهم يمتلكون أدواتهم كاملة، ويتعاملون مع الظهور الإعلامي بوصفه مسؤولية، لا بوصفه استعراضاً..

الدكتور محمد الصبيحي، أو أبو الدكاترة، واحد من الرموز الباقية في القلوب والأسماع، لأنّه صاحب طريقة في الأداء الإذاعي ليست إلا له..

له أنْ يفخر بأنّه صاحبُ أجمل صوتٍ إذاعي؛ لهُ ذلك لأنّه سابقٌ لعصر الرداءة الإعلاميّة، فقد عاش في زمنٍ كان الخطأ النحويّ فيه جناية على الآذان والمهنة، وكان المذيعُ فيه كتلةً من المعرفة والثقافة.. ولذا بقيَ الصبيحي عملاقاً، وهو الذي تتلمذَ على أيدي العمالقة من أمثال: جميل الحجيلان، وعبّاس غزّاوي، ورشيد علامة.. ولكم أنْ تتخيّلوا كيف يكون تلميذ هؤلاء..

كان إذا قال: "يارب"، خشعت القلوب، وردّدت الألسن: "آمين" لأنه كان يقولها مؤمنا، لا مؤديا وحسب..

كان يؤمّل أن يكون طيّاراً فأحجم امتثالاً لرغبة والدته، لكنه صار صوتنا المسافر إلى كلِّ العالم، حيث نسافرُ مع صوته سفراً غيرَ السفَر، وهو يقرأ دعاء السفر على متن طائرات الخطوط السعوديّة.. فما إن يجلس المسافر على مقعده في إحدى طائراتنا حتى يستمع إلى صوته وهو يدعو: "سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون"، ليكون الخشوع عفوا، لا تكلفا..

لهُ صوتٌ جادٌّ كأنّه هدير البحر، بل كأنّه آتٍ من مغاور الخرافة والسحر، ولهُ روح مرحة كأنّها فراشة تنتقل بين طرفةٍ وأخرى.. ومنها أنّه لن يقتنيَ "الجوّال" حتّى يعودَ إليه الشبابُ مرةً أخرى، وهل؟ ولن ....

ذات مساء؛ كانت مصيبتي كبيرة، حين تناوبتُ معه التقديمَ في احتفال رسمي.. كانت مصيبتي كبيرة لأن "شتّان" كانت حاضرة بمعناها كله..

هل لنا بأمثال الصبيحي في عصر تعدد القنوات، وانفلات المعايير؟