هل لنا أن نتعلم، أن نتقن حياتنا، ونسيّرها دون كوارث؟.. لماذا علينا أن نتلقّى "الوخزات" من اليمين ومن اليسار وفي الضوء وفي الظلام وعلى الوجه وعلى القفا؛ حتّى نحظى بنجاعة الدرس وإيغاله في الشرايين لئلا ننسى؟.. تهبّ المصائب وتفِدُ النوازل وبعد أن نظن أن هناك استراحة بين هبوبيْن، نفتح ما نخاله دفتر الحكمة وندوّن فيه الخلاصة: ماذا استفدنا.. ما القادم الذي لن يتكرّر..
أحداث جسام ولا شيء يشغلنا حين تضع الغمامة السوداء أوزارَها إلا أن نفتش عن ذَهَبِ الدرس المدسوس في السواد والغبار.. الذهب المطمور نخرجه من أودية التهلكة للأجيال الطالعة، تتمترس به. تخطّ مستقبلاً مفعما بذخيرة التجارب المرّة التي أفنى أوائلنا أعمارهم (وأوطانهم) في رصدها وتثبيتها وإعلائها عناوين بارزة ينهلون منها و(يكرعون) ويبشِمون!.
لكن.. ما أكثر الدروس، وما أقلّ العظة.
وتاريخنا العربي الحديث - وفي لحظته الراعفة - ساحة ملأى بنثارٍ عجيبٍ غريبٍ.. بركامٍ من الدروس التي لا نعرف ماذا نصنع بها، سوى أن نطوي الصفحة ندوّن الخبرة، ونمضي لدرسٍ آخر، هو ذاته الدرس الذي دونّا خبرته توّا ولم يجفّ مداده بعد.. ولدينا إصرارٌ بالغ الثقل في تكديس الدروس على هيئة كوارث من هزائم ونكبات ونكسات وزلازل. والبركة دائما في الجيل القادم؛ يعي ويتعلّم. وهل يصبح الجيل شيئا آخر غير الذي صنعته أيدينا المفدوحة بالأعطاب والخسائر.
ماذا ستعكس المرآة المشروخة، المقشور زئبقها؟.
ما الذي سنجده في المرآة، وقد أثخنتنا التجاعيد وانطفأت في العيون لمعة الحياة؟.
إن ما يمكث هو ما ينفع.. وإن ما نتركه من دروس هو الزبد والغُثاء. هو ما نظنّه زبدة حياتنا وصفوة تجاربنا، فيما هو عند التحقيق ليس أكثر من خيبة، لا نكتفي بها ونداري خجلنا. إنما نريد لهذه الخيبة أن تحيط برقاب من يأتي بعدنا؛ نموّهها بادّعاء الحكمة العظيمة وبالثمن العالي.. نحزّم الأفئدة والضمائر بالنصائح - تلك النصائح التي لم تنفعنا ولم نستفد منها يوما - من جيلٍ عجمتْ عودُه الأيام؛ فاشتدَّ وتصلّب.. وأخنى عليه الدهرُ وما انحنى. وكأن كتاب التاريخ يغفل عن الظهور التي لم تعرف غير الانحناء والطأطأة، ولم تكن غير مطيّةٍ يدلدل عليها قدميه من يريد لقاء ثمنٍ بخس دراهمَ معدودة.
يقول أحد مفكري العرب: (من لم يتّعظ بتاريخه؛ محكومٌ عليه بتكرار فواجعه).. فلا نستغرب، فيما نكدّس الدروس، أن تنهال الفواجع. وليتنا، مرة واحدة فقيرة، أثبتنا أننا نستفيد وأن التاريخ العربي لا يكرّر نفسه!.