(إنها معركة حقيقية بالسيوف والمطاوي، وباستخدام الجمال والخيل... وكأننا نشاهد فيلما عن معركة من العصور الوسطى) بهذه الكلمات وصف مراسل لإحدى القنوات الفضائية، مساء أول من أمس ما حدث في ميدان التحرير بالقاهرة، من عراك بين مؤيدي الرئيس المصري حسني مبارك، والمطالبين برحيله. وفي رأيي أن أبلغ ما قيل عن ذلك المنظر المؤسف والمخجل الذي يفرض علينا كعرب التساؤل: أين نحن من العالم؟ فمن المؤكد أن هذا السلوك أو ما يشابهه سيحصل في أي دولة عربية أخرى، لأننا مجتمعات ما زالت تؤمن بفكر "باب الحارة.. وكل من إيدو إلو"، ولم يصبح القانون يحكم أحدا. ولعل أهم الدروس التي يجب أن تُستفاد من هذه الأزمة، هي أن يدرك جميع العرب ـ مسؤولين ومواطنين ـ أنه مهما كانت وسائل حجب المعلومة، ومحاولة إخفائها، كما حدث من قطع لإرسال قناة "الجزيرة" التي أختلف معها كثيرا في أسلوب التغطية، حيث تحولت إلى أسلوب تحضيري خصوصا بعد قطع بثها على "نايل سات". فإن هذا الحجب سيفشل، حيث ستصل الصورة والصوت لمن يبحث عنهما، لسبب واضح ربما لم يدركه، منظرو "القطع والبتر"، هو أن التقنية الإعلامية لم تعد أمرا ترفيهيا يمكن أخذه على مبدأ "حبة عند اللزوم"، بل إنها أصبحت وبدون مبالغة، من المتطلبات الأساسية للفرد تماما كـ"خبز العيش".
وفي ذات الوقت، إذا كان هناك أسلوب واحد للحجب والقطع، فإن هناك مئات الأساليب لتجاوز الأمر والوصول للمتلقي. إذن فمن الأولى صرف الوقت والمال في البحث عن علاج المشكلات السياسية والاقتصادية، بدلا من صرفهما في الحجب والمنع. بل إن الأمر يتجاوز ذلك، حيث كلما أصر أصحاب نظرية منع المعلومة، على ابتكار الوسائل المختلفة للحجب ـ كما حدث أيضا في هذه الأزمة من قطع لوسائل الاتصال الهاتفية والإنترنت ـ رأينا ردة فعل معاكسة تماما، حيث يتزايد نشر المعلومة وتداولها. لكن مشكلة هذه المعلومة أنها في وضع كهذا، تتحول من حقيقة لا يجب إنكارها، إلى مرتع خصب للإشاعات والأخبار المضخمة. وقد سمعت بنفسي متصلا على قناة "الجزيرة" يقسم بالله ثلاث مرات أن الرئيس حسني مبارك خرج خارج مصر وأنه موجود في أمريكا، ولن يعود، وبعدها بدقائق يخرج مبارك يخطب في التلفزيون..!!. بل إن الكثير من القنوات والوكالات الإخبارية بدأت تعتمد على ما يسمى "شهود عيان" ممن ينشرون الكثير من الأخبار والإحصائيات غير الموثقة، ولكنها تصبح لدى العامة، أمورا مسلما بصحتها. وهو ما أفقد التلفزيون الرسمي مصداقيته تماما، حتى وإن قال الحقيقة أو نصفها..!!.
فهل تتعظ التلفزيونات العربية الأخرى، وتغير جلدها التقليدي؟