لعل أبرز حدث على المستوى الثقافي خلال ما يجري في مصر الآن، يتمثل في المخاطر التي يتعرض لها المتحف المصري، وهي مخاطر لا تهدد بعمليات سرقة ونهب واسعة للكنوز المصرية الأثرية التي لا تقدر بثمن فحسب، بل تهدد باحتراق هذه الثروة القومية، لتخسر مصر تاريخاً بناه الأجداد منذ آلاف السنين، ومن ثم فإن هذه الثروة التاريخية الحضارية أمانة كبرى في عنق كل مسؤول وكل مواطن مهما كانت انتماءاته وميوله.

هذه الأمانة التي تحرك المجلس العالمي للمتاحف وشكل لجاناً للحفاظ عليها، وتحركت من قبله اليونسكو مطالبة بـ"إجراءات كافية لحماية كنوز مصر"، لن تصان إلاّ بأبناء مصر الشرفاء الذين يدركون قيمتها كتراث مصري وإنساني.

كان مشهداً مؤثراً للغاية ونحن نرى المثقفين المصريين ومن يمتلكون درجة من الوعي تدعو للفخر، يصنعون من أجسادهم النحيلة دروعاً عملاقة لحماية المتحف، بينما الشرطة المناطة بحمايته لا أثر لها!.

هكذا يتجلى دور المثقف في أبهى صوره حينما يكون فاعلاً في مجتمعه، مدركاً لقيمته التي تعلو على كل الأيديولوجيات والأجندات والمطامح والمصالح الشخصية التي لا يتورع أصحابها عن بيع الوطن بأي مقابل...، وأحياناً بلا مقابل!.

القلوب التي كادت تتوقف وهي ترى النار تقترب وتقترب حتى دخلت حديقة المتحف، لم تكن قلوب المصريين وحدهم، ولا العرب وحدهم، بل كانت قلوب الإنسانية أينما كانت؛ ولم لا والحدث أكبر من كل النظرات الضيقة التي لا ترى في عمل همجي كهذا، انطفاء لشعلة التاريخ في بلد الحضارة!.

إن على المصريين الشرفاء أن يظلوا متيقظين ساهرين على حماية تراثهم، بعيداً عن أي توجهات سياسية، لأن الوطن يظل فوق الجميع، وتراث الوطن هو العنوان المؤكد على الحضارة والتاريخ والقيمة. التراث هو الماضي والحاضر والمستقبل، خاصة إذا علمنا أن هذا التراث يشكل أحد أهم مصادر الدخل القومي للمصريين!.

إن المتحف الوطني المصري ليس ملكاً لأحد، ولا كنزاً يخص الأجيال الماضية والمعاصرة فحسب، إنه كنز الأجيال المقبلة، كنز الوطن الذي يسهم إسهاماً كبيراً في تأمين حياة كريمة لكل المصريين على طول الزمن.

وإذا كان ضياع لوحة فان جوخ "زهرة الخشخاش" من متحف محمد محمود خليل بالقاهرة قبل أشهر قليلة قد أدمى قلوبنا، فما بالنا بـ120 ألف قطعة أثرية معرضة للاحتراق أو النهب من المتحف الوطني المصري؟!.

لا بد أن يؤمّن الجميع هذه الثروة القومية الإنسانية التي لا تقدر بثمن.

إننا ربما نقبل بأي شيء قد يحدث في مصر، أي شيء.. إلاّ احتراق المتحف أو نهبه!.

[email protected]