أن تقرأ وتسمع عن النفاق والمنافقين شيء وأن تعيش معهم، وتتعامل معهم يوميا شيء آخر، بل تحتاج في الحالة الثانية إلى قوة تحمل، وبرودة أعصاب للتعامل معهم من ثماني إلي تسع ساعات يوميا لمدة خمسة أيام في الأسبوع دون أن تفقد رباطة جأشك، ولا بد أن تتحلى بالصبر وتدعو ربك أن ينعم عليك بنعمة التجلد حين يدفعك أحدهم إلى الغش والخداع الذي ترفضه مخافة من الله، وكل يوم في طريقك إلى العمل تدور في رأسك أفكار وعواصف حول نفس الهدف الذي تصبو إليه كل صباح "كيف سأنجو منهم اليوم"؟ خاصة إذا كانت مفاتيح لقمة عيشك ورزقك بينهم، فكيف تتجرأ وتعلو بمبادئك وقيمك ومُثلك العظمى التي كابدت سنوات طويلة من الخدمة والعمل المضني الدؤوب تُحافظ عليها كما عينيك وتُعلمها لأبنائك، لأنك لا تستطيع أن تتخيل مجرد تخيل أن تدخل إلى بيتك يوما لقمه تشك بأنها ليست حلالا، وفي كل مرة تتذكر دعاية (أكلك حلال) التي يعتقد بعض الناس بأنها موجهة إلى "الحرامية" والمرتشين فقط وليس أيضا إلى المزورين و"المزوغين" من العمل أو حتى الساكتين عن الحق!
في كل هجمة لسرقة نزاهتك أو محاوله للاستيلاء علي أخلاقياتك تحاول أن تتفاداها بهجمة مضادة لاحتوائها لصدها لكي تبقى تحت مظلة الشرف والأخلاق التي انقرضت في هذا الزمن الكئيب، وتطورت فيه التقنية الحديثة لجميع أنواع الفساد الإداري والأخلاقي وحتى الاجتماعي واللفظي.
جلست على مكتبي في صباح يوم جميل، تبدد جماله سريعا حين وقعت عيناي علي تقييم وظيفي لموظف جديد يحمل نفس الاسم الأخير لرئيس القسم الذي أعمل به، فوجدت نفسي أردد "أستغفر الله العظيم"، حين تمعنت في تفاصيل التقييم الذي من المفترض أن أكتب تقريرا بناء على صحته انزعجت جدا من كمية الاستخفاف بعقولنا كموظفين وكأننا لا نملك في رؤوسنا أعينا أو حتى عقولا.
لقد تم منح موظف لا يفعل شيئاً حق الامتياز في الأداء الوظيفي مما يؤهله للحصول على ترقية وفرص تطويرية أكبر، تتلخص في إرساله لأخذ دورات تدريبية في فرنسا لكسبه المزيد من المهارات "يا سلام"، لم يحصل عليها أحد من قبل مما يجعله موظفا عبقريا وفلتة ويعتبر ثروة قومية على المدير أن يحسن استثمارها بوضعه في زُمرة العلماء!
في تلك اللحظة التعيسة مرت من أمامي صور جثث ضحايا أمطار جدة وهي تُنتشل من مياه السيول ولا أدري لماذا تكدست تلك الصور الحزينة في عقلي في أثناء بحثي عن حل لعملية غش وخداع يقوم بها ذلك الرئيس التقي في مظهره.
قررت أن أعلن رفضي على تقييم الشاب بأنه "فلتة" وعبقري زمانه لكي لا أشعر بتأنيب الضمير حين آوي إلى فراشي في المساء ولكي لا أفقد أساس ومركز القوه في إنسانيتي، ولأنني أعرف جيداً أن هناك ثلاثة موظفين غيره يستحقون الامتياز بالأداء الوظيفي وحتى الترقية حيث إنهم اعتادوا العمل إلى ما بعد انتهاء الدوام لإنهاء الأعمال المنوطة بهم من مدير لا يفهم المعنى العميق للإدارة سوى بتوزيع الأعمال التي من المفترض أن يقوم بها هو شخصياً ليقضي باقي النهار في إنهاء أعمال بناء منزله وبيع سياراته والبحث عن أخرى جديدة وفي أحيان أخرى يجلس نهارا كامل يتفرغ فيه للرد على احد الكُتاب باسم مستعار ليشعر بالنشوة والزهو بأنه أفحم الكاتب!
ليس من العدل أن تتم ترقية موظف حديث العهد بالعمل يفتقر إلى العديد من المهارات فقط لأن له هيئة معينة، بينما الثلاثة الآخرون الكادحون، ذنبهم أنهم كانوا مشغولين لدرجة لم يُفكر فيها أحدهم بإطلاق لحيته.
ماذا تفعل حين يأتي رئيسك المسؤول عن ترقيتك وعلاوتك ويطلب منك أن تفعل ما يأمُر به من غش وتدليس وخديعة وظلم للآخرين، لم توضع في كُتب الإدارة ولا في مهارات القياديين؟
ماذا تفعل حين يأتي الموظف الذي تمت الإشاده بعمله لأنه من منطقة "....." ويحمل اسم نفس قبيلة الرئيس ويجادلك في حق له اكتسبه باسم القبيلة المسيطرة على المناصب في محل عملك، وحين تلفت انتباه رئيسك المتعصب القبلي يزدريك بنظرة انتقاص لأن تفكيرك أخذك لهذا الاتجاه "ويدخل في عينك"، فيتهمك بالأوهام ويقنعك بأن المسألة كلها تشابه أسماء وصُدف بحتة لا أساس لها من الصحة!
ليس بغريب أيضا حين يأتي نفس الرئيس ويُصرح في نهاية كل اجتماع بأنه لم يُفضل ذلك الموظف الفاشل لأنه من نفس القبيلة "كما تم اتهامه بمحاباته " بل لأنه إنسان طيب خير وسيماهم في وجوههم.
أصبح المكان أرضا خصبة للنفاق تنمو فيه مسلسلات لا نهاية لها من الخيانة والكذب والغش والتدليس والمؤامرات من أجل الوصول السريع إلى السلطة والمركز، وفي نهاية كل وشاية أو شائعة أو مؤامرة نسمع همهمات تردد كفارة المجلس وتقام الصلاة!