تقول مصادر صندوق التنمية الصناعي إن 90% من جملة قروض الصندوق قد ذهبت خلال مسيرة الصندوق إلى المناطق الثلاث الرئيسة في الشرق والغرب والوسط.
والسؤال: هل يكفي هذا المؤشر لقياس بعض الأخطاء في التنمية؟ وهل ينسحب أيضاً على بقية المؤشرات والصناديق وإضبارات توزيع الموارد المالية في مسيرة التنمية؟ ومن وجهة نظري، فإن هذا الرقم الخرافي في النسبة لم يهمل بقية المناطق التي كان لها أن تستفيد من قروض الصناعة المختلفة، بل إنه أيضاً قد وضع جنايته الكبرى على أكتاف ثلاث مدن وهو يضخ فيها هذه القروض بهذه النسبة. لقد حولها إلى كثافة عمالية مستوردة وأخل أيضاً، أو ساهم في الإخلال بالتوازن السكاني، وفي النهاية فإن استفادة المواطن العادي من وطأة هذه القروض كانت سالبة بكل الشواهد. من المؤكد أن هذه القروض المليارية قد فشلت في أهم مطلبين كان لا بد من وضعهما في الأساس عند إعطاء مثل هذه القروض من المال الحكومي العام: أولاً، أن تؤدي هذه القروض الصناعية المليارية إلى فتح فرص عمل حقيقية أمام توطين العمل ولكنها انتهت في النهاية لأن تجعل من الوطن مجرد أرض لخطوط الإنتاج تسير خطوطها ومعاملها بأيدي العمالة المستوردة، ومن الفضيحة بمكان أن أكبر عشرة مصانع في القطاع الخاص استفادت من هذه القروض، وبالملايين، دون أن تكون اليد السعودية فيها سوى أقل من 5% بشهادة الوزير الراحل غازي القصيبي يرحمه الله.
ثانياً: أن تؤدي هذه القروض الصناعية المليارية إلى دخولنا عالم الصناعة الثقيلة وهو للأسف شديد ما لم يكن. اقتصرت هذه المليارات من القروض الصناعية على مصانع تدير البيئة في صناعة الخدمات الرخيصة التي استنزفت الموارد وأخلت بالميزان البيئي وساهمت في رفع مؤشرات التلوث بشكل مخيف، لأن البيئة للأسف الشديد آخر اهتمامات السعودي. ويكفي للدلالة مثالاً أن كثيرا من هذه الصناعة الخدماتية قد استنزف نصف مواردنا المائية الجوفية، ناهيك عن المثال الآخر في أننا نعتبر اليوم أكبر دول العالم (بنسبة السكان) في صناعة المواد البلاستيكية أو مخرجات المواد الكيميائية البترولية بكل ما لهذا من تدمير منهجي لهذه الأرض.