أسبوع طويل ومؤلم وشاق مرّ علينا نحن المنكوبين في حي النخيل بجدة، وبرغم المأساة ومرارتها في نفوسنا، وبرغم الخراب الذي خلفه السيل بما حمله من طين وأوساخ تراكمت في أدوار فلل الحي الأرضية، وبرغم الخسائر المادية التي أثقلت كواهلنا؛ إلا أن ثمة جوانب إيجابية في هذه المأساة خففت كل ذلك علينا، فاتصالات الأحبة للسؤال والمواساة، وتواصل الجيران، وقد أحيوا أخلاقيات حسبناها اندثرت مع الطفرات التي مرّ عليها مجتمعنا، في تكاتف إنساني خلاّق، وشعور بالمواطنة والجيرة الحقة، وتهادٍ يومي بين الجارات في الحي، والسؤال عن أية احتياجات يحتجنها، فيما تعهد الموسرون بعض تلك العوائل التي يعرفون حاجتها، في بذل نبيل وكريم. ولربما تلك الأجواء التي استطعمناها بكثير من الحميمية -وقد غابت منذ عقود مرت على بيئتنا- أعادت للذاكرة مرحلة الثمانينات والتسعينيات الهجرية بكل نقائها وصفائها..
بتصوري؛ كان الأبرز والأهمّ في هذه الجوانب المشرقة، التي بدّدت الكآبة والحزن الذي نحيا؛ تلك الوجوه الطافرة بالحبِّ لعشرات من الشباب المتطوع الذي ملؤوا علينا الحي بأرواحهم الحادبة الشفيقة، وهم يتفانون إخلاصاً في تقديم المساعدة بشتى أنواعها، بما أذهلنا حقيقة، لأن من قدّر له أن يكون ضمن سكان الحي؛ ليفاجأ بمجموعات الشباب التي تتجمع صباحاً، وقد ارتدت فانلات التطوع، واعتمرت القبعات الخاصة بها، التي مثلت جمعيات ومعاهد وجامعات، كلٌّ في تخصصه، يتسابقون بتقديم يد المساعدة لأهالي الحي. والحقيقة؛ ومن تجربة شخصية؛ ألفيت نفسي ابتداءً أمام مجموعة من فتية يمثلون جمعية تحفيظ القرآن الكريم بجدة، ولمحوني على ناصية الشارع، وهبّوا للسلام، وقاموا برفع الأثاث المتسخ ونقله، وانبروا من بعدي للجيران، يحملون عنهم أمتعتهم، ونحن الذين وقعنا تحت استغلال إخوتنا من بعض المقيمين الذين كانوا في مستوى من الانتهازية فرفعوا الأسعار عالياً، ورضخنا مكرهين بسبب هذا الظرف القاسي.
المؤسسة العامة للتعليم الفني كانت حاضرة عبر طلابها الذين قاموا بأدوار جبارة في إصلاح السيارات المعطوبة، وتحسين شكلها، وتنظيفها كيما تكون مهيأة للقطر إلى ورش السيارات. كانوا شباباً سعوديين، لا تملك إلا أن تفخر بهم والله، وأنت تراهم يتمددون في الوحل والطين تحت السيارات الصدئة كي يصلحوها، والأجمل من ذلك حضور رئيس المجلس راشد الزهراني ووكيل معهد التدريب سعيد الزهراني يخوضان في الأوحال مع طلبتهم..
هناك شركة المياه الوطنية، والتي قام شبابها بغسيل خزانات الماء الأرضية لفلل الحي، التي توحلت بفعل السيل. كانوا يقومون بهذا التنظيف المجاني بكثير من الأريحية والإتقان، ووزعوا علينا بطاقات مجانية لجلب (وايت الماء)، ونفعونا كثيراً كثيراً، وغادرونا وألسنتنا تلهج بالشكر لصنيعهم النبيل.
كان نجم مجموعات التطوع هو فريق (تواصل)، التابع لقسم مهارات الاتصال بجامعة الملك عبدالعزيز، كانوا مذهلين بنشاطهم وحيويتهم، وقال لي المشرف الدكتور حمزة الزبيدي إنهم بادروا مباشرة بتكوين اللجنة عقب الكارثة، ونشروا إعلاناً لمن يرغب في التطوع في (الفيس بوك)، وإذا بالطلبات تنثال عليهم من شباب الجامعة وقد أربوا على المئات، وقام الأستاذ مفرح الجابري المدير التنفيذي بتوزيعهم لمجموعات، ومضوا في تفان عجيب بغسيل فناءات المنازل، وغشيان الفلل المتضررة، وكنس وتنظيف الغرف المتوحلة، وقد ذكر لي أحد الجيران أنه قام باستقدام شركة خاصة للتنظيف، ومن بعد ذلك مجموعة من العاملات الفلبينيات، لتخليص البيت وأثاثه من الطين الذي علق بكل شيء، وقام بغسيل الدور الأرضي لسبع مرات عبر عمال النظافة دون جدوى، وأنه لم ينظف إلا مع هؤلاء الشباب الذين كانوا يتضاجون عملاً متقناً في إخلاص وحبٍّ لما يقومون به، ووالله لقد وقفت على عملهم بانبهار، وتساءلت: أين رجال الأعمال الذين وصموا شبابنا بالكسل والتراخي وعدم المسؤولية، ليتهم يرون ما أراه ليتبدد ذلك الوهم المعشش في رؤوسهم وهم مؤمنون أن غير أبنائنا هم الأكفأ والأجدر، غير أن ما رأيته في هؤلاء الشباب الوادع -وكثير منهم من بيوتات عريقة وغنية- وهم يتفجرون حماساً ونشاطاً؛ جعلني أؤمن بيقينية مطلقة بأن مستقبل هذا الوطن وضيء، إن كان هؤلاء الشباب قادته غدا.
الطريف أنني افتقدت ابني أسامة من صباح اليوم التالي، وهاتفته فأخبرني أنه انخرط معهم إلى بقية أيام الأسبوع وقد استمزج هذا الجو التطوعي الخلاب، الذي أدعو المسؤولين إلى دراسة هذه التجربة من خلال هؤلاء الشباب وتطويرها، كي نؤسس –رسمياً- لجمعيات نفع عام، ومؤسسات مجتمع مدني عبر هذه الفرق، تتوسع مع الزمن والحاجة.
كما قدمت بأن للمأساة وجها آخر مشرقا، والحمد لله أولا وآخرا، ويبقى أنني أختم بدعوة المسؤولين إلى تقويم جاهزية الأجهزة الميدانية، لأن معظم المتخصصين الذين التقيت وسمعت، قالوا إنها كانت فاشلة إلى درجة بعيدة، وإننا لم نستفد كثيراً من الكارثة الأولى إلا في توعية المواطنين، وإلا كانت الخسائر أعظم.
لماذا لم نشهد سلاح المهندسين مثلا أثناء الأزمة، لتجسير ما انهدم من تلك الطرق؟ وأين الجيش في تسيير المرور والسيارات التي كانت متوقفة تماماً أثناء السيل، وقد غرقت وهي واقفة بسبب الفوضى المرورية الضارب أطنابها في أوصال المدينة، وعدد رجال المرور لا يفي أثناء الكارثة؟ لماذا تبددت تحذيرات الأرصاد والدفاع المدني للمواطنين والمدارس والجامعات، ونحمد الله أن ذلك الأربعاء الأسود كان في وقت الامتحانات وقد انصرف الطلاب مبكرين وإلا كانت الكارثة أضعافاً؟
لا فائدة من البكاء والعويل على اللبن المسكوب، ولكن آن الأوان أن نتعلم جيداً من الكارثتين، لأن الثالثة -لا سمح الله- ثابتة.