أمكنة الإنتاج المعرفي غربية أو مترجمة شرقية في معظمها فلا تحزن أخي، لأن الإنتاج المعرفي في معظمه غربي؛ فوجب التعرف ومسح العصر، وأنا أقلب في الكتاب لأعرف المؤلف، فإن كان أجنبيا قلت ربما فيه خير وتعب، وليس أكيدا، والعكس بالعكس، وكتاب عبد الستار إبراهيم في علم النفس مثلا، أو محمد عزام في فلسفة العلوم والابستمولوجيا، ووحدة المعرفة لمحمد كامل حسين، وميلاد مجتمع لمالك بن نبي، ومن سرق الجامع للنيهوم، ووعاظ السلاطين للوردي درر بهيجة للمعرفة، ولكن قصور الثقافة العربية جعلنا متوقفين في مربع الزمن لا ننتج فضلا عن الاطلاع على ما ينتج.
ومن يكتب في الصحافة كثيرون، ولكن لا قلمهم سديد ولا بطشهم شديد، ولا هامش الكتابة يتسع للجديد، ومنه كان على الكاتب أن يتبع حكمة ديكارت القديمة فيقول قولا لا يوقظ نائما ولا يزعج مستيقظا، وعاش من بقي في الظل.
وأذكر من ألمانيا جيدا تلك الواقعة التي حدثت معي مع الجراح كارل توما الشرس، حيث كنت قد أمضيت في نظام ما سمي بالدراسات العليا في مشفى المواساة في دمشق التابع لكلية الطب وأنا أظن في نفسي أنني أعمل في أرفع مستوى لأكتشف نفسي أن المشفى الجامعي في بلدي لا يقترب من أصغر مشفى في أوبرفرانكن في بافاريا (Oberfranken - Bavaria) وهو اعتراف مؤلم ولكن لا بد منه؛ فليس مثل الحقائق الموجعة الصادمة سببا لليقظة.
وأذكر حينما ساعدته ومعي خبرة سنتين في الجراحة أنني لم أتعلم بعد أصول العقدة الجراحية، فسألت زوجتي يومها عن الفرق بين العقدة الجراحية والعقدة النسوية ولماذا لا تنفك العقدة الجراحية؟
ثم عرفت من جديد أن كل أمر له تقاليده وكتبه سواء كان في علم المنحلة والدباغة إلى الجراحة والخياطة، فكلها مستويات مختلفات في إنتاج حضاري معمم، وهذا أمر يجب الانتباه له في عملية البناء الحضاري. إن الحضارة ليست شراء أشياء الحضارة ولو توافر المال، وهذه فكرة استفدناها من مالك بن نبي حين فرق بين القدرة الحضارية وشراء منتجات الحضارة، فضرب مثلا في ذلك أن أميركا لا تستطيع شراء مدينة واحدة من مدنها لو أرادت، ولكن لو تهدمت مئة مدينة فيمكن لأميركا أو ألمانيا أن تعيد بناءها وهو ما فعلته ألمانيا بعد الكارثة الكونية في الحرب الأخيرة؛ فهذا هو الفرق الجلي بين قدرة الحضارة وأشياء الحضارة.
هذا يقودنا إلى عدد من الأفكار: الأولى أن العصر الذي نعيش فيه ليس من صنع أيدينا ولذا فهو لنا مثل عالم سندباد والجني الأزرق.
والأمر الثاني اختلاط الأمر علينا بين الشراء والبناء؛ فنظن أننا لو اشترينا طيارة أو سيارة أو كلفنا شركة ببناء مشفى فقد بنينا الحضارة، وهذا خطأ كبير يجب التحرر منه، وهذا أيضا الذي لفت نظري في مشافي عملت فيها فترة طويلة فكانت في البداية ألماسة تلمع وبعد عقد من الزمن تحولت إلى كارثة تلسع، والسر في هذا هو أن الحضارة ثلاث كلمات: الإبداع والخلق ثم الصيانة وثالثا التطوير.
فهذه مشعرات ومؤكدات الوجود الحضاري.
فإذا أردنا التأكد من وجودنا في السلم الحضاري فلننظر هل نستطيع صيانة الأشياء التي نشتريها؟ وهل نحافظ عليها سليمة تعمل؟ وهل يمكن لنا أن ننتج مثلها وأفضل؟ أم هل يمكن تطوير الآلة التي اشتريناها؟ أم إننا ندمر ولا نحافظ على الأشياء التي بين أيدينا؟ فهذه مؤشرات هامة جدا على الصحة والمرض.
والخلاصة التي أنتهي إليها أن "أمكنة" الإنتاج المعرفية غربية في معظمها، فوجب علينا أن نتعلم لغة أجنبية ونعلم أبناءنا أن يتقنوها ليس مثلنا مكسورة بلحن غريب، بل يمسكون بزمامها مثل أحد أولادها.
وقع تحت قراءتي أن عالمة من إسرائيل من جامعة حيفا فازت أو ستفوز بجائزة نوبل للعلوم، وأن التفوق الإسرائيلي أساسه علم، وهو أمر لن يستمر إلى قيام الساعة بل سيحيق بهم ما كانوا به يستهزئون.
بمعنى أن قوة إسرائيل هي من البناء العلمي، وهي جيب غربي ومشروع استيطاني، كما فعل الأوروبيون مع سكان الأميركتين فمحوا السكان الأصليين وأباد الصهاينة قسما، ولم ينتبهوا أو لم يقدروا أو لم يكونوا جاهزين، أو أن الأوضاع لم تسمح لهم بإبادة كل العرب أو طردهم وهي بؤرة خطيرة لوجودهم، فقد بلغ عددهم مليونا ونصف المليون.