في عام 2006 اختارت مجلة "التايم "الأميركية الشهيرة مستخدمي الشبكة العنكبوتية -أي أنا وأنتم - كشخصية العام بدلاً من تسمية شخص بعينه كما جرت العادة. كان اختيارها مدفوعاً بإيمانها بتعاظم دور المستخدمين كمساهمين في صياغة محتوى الشبكة، وليس كما كان الأمر في بداية عصر الإنترنت حينما كان أقصى ما يفعله جُلنا هو التصفح والقراءة. فتطبيقات الجيل الثاني من الويب ومن ضمنها الشبكات الاجتماعية كان لها دور بارز في تمكين المستخدم العادي من إثراء المحتوى الرقمي بنفسه. وهذه المساهمة في العالم الشبكي كان لها انعكاس وتأثير على كثير من مجريات عالمنا الواقعي، والأمر أوضح ما يكون في الحالة الإعلامية. بالمقابل فإنه قبل حوالي عشرين سنة من ذلك، كان أمل دنقل يكتب قصيدته الشهيرة" لا تصالح" عشية زيارة الرئيس المصري السابق أنور السادات لفلسطين المحتلة وإبرامه معاهدة كامب ديفيد مع قادة الاحتلال الصهيوني، في تلك القصيدة كان الشاعر - وهو ابن بيئته وزمانه - يعوّل كثيراً على القائد البطل ويسميه" فارس هذا الزمان الوحيد" وهو يرجوه ألا يفرط في وطنه ولا في الحقوق القومية، فهل ما زال العربي اليوم يبحث عن المخلص..عن مهديه المنتظر ليرفع عنه المظالم ويملأ الأرض عدلاً ونوراً ويستعيد الحقوق المسلوبة؟

منذ النشوء أو الاستقلال والمواطن العربي يحتفي بأبطاله، وبشكل أدق ببطله الأوحد، وهو حاكم ذلك القُطر الذي عمل جاهداً على أن يظل وحده في الصورة.. ملهب الجماهير ومحقق آمالها، ولما كانت مؤسسات المجتمع المدني مغيبة أو مشلولة في جل الأقطار العربية، فقد كان من الطبيعي على كل من يحلم بالإصلاح أن يحلم بتغيير رأس الهرم، وهو تغيير سيأتي به الله - جل جلاله- هكذا من السماء بانقلاب عسكري أو ثورة أو تعيين من قبل الحاكم السابق، وليس عن طريق تدرجه في مناصب تبني شخصيته وخبرته وخوضه لانتخابات عادلة يساهم الشعب فيها لإيصال الرجل المناسب لسدة الحكم. ولهذا ظل العرب يصفقون لكل حاكم شمولي أو ديكتاتور ينجح في دغدغة عواطفهم - لا سيما القومية- بكلمتين قبل أن يفطنوا إلى أن هؤلاء الأبطال هم أكثر من جر الويلات على بلدانهم خاصة وعلى الأمة العربية عامة بغض النظر عن النيات والأهداف والظروف الدولية واختلال موازيين القوى، فالعبرة بالنتائج. ولعل من أهم ما يميز هذه النوعية من الحكام أنها تصرف أنظار الجماهير عن الشأن المحلي إلى الخارجي القومي تحت شعارات مثل: "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، ولهذا فليس من المستغرب أن تكون شعبيتهم أقوى وأكبر خارج بلدانهم. من يتابع ما جرى في تونس الخضراء من انقلاب شعبي أو ما يجري حالياً في قاهرة المعز وأخواتها من مظاهرات شعبية تطالب بإسقاط النظام المصري سيدرك أن المشهد قد تغير كثيراً وكثيراً جداً. فكأنما الشعوب العربية قد استيقظت فجأة من سباتها أو من سكرتها الطويلة لتجد أنه لا فلسطين تحررت، ولا هذه الجموع الجائعة شبعت، ولا هذه البلدان "انصلحت"، فكيف تحرر أخاك الأسير وأنت نفسك مكبل اليدين والقدمين وعلى فمك شريط لاصق؟

لهذا السبب فإن مظاهرات اليوم لم تكن من أجل فلسطين أو العراق في المقام الأول ..كلا فقد كانت من أجل تونس ومصر ابتداء، ولهذا فإن الشعارات التي رُفعت كانت تتحدث عن المطالب الشعبية المحلية: محاربة الفساد والغلاء والبطالة وسوء استخدام السلطة وقوانين الطوارئ والمطالبة بحقوق الإنسان والمشاركة الشعبية والحريات الدينية.

في مظاهرات تونس ومصر، لم نشاهد أعلام فلسطين تُرفع ولا أعلام أمريكا تُحرق، وذلك لا يعني أبداً أن الشعوب العربية قد تخلت عن قضيتها القومية والإسلامية الأولى وإنما هي فقط أدركت أخيراً فقه الأولويات الشعبية وأنه يستحيل أن تحل مشكلات الآخرين وأنت تسبح في مشكلاتك المستعصية. كما أن شماعة التدخل الغربي وتحميله كافة إخفاقاتنا قد بدأت تئن من الثقل، فلا أحد يستعمرك ما لم تكن لديك القابلية لذلك كما قال مالك بن نبي منذ أكثر من نصف قرن، ودور المواطن يكون في العمل على أن يصل للكرسي من يثق في أنه سيقدم مصالح وطنه وأمته على مصالح الآخرين. فالحاكم الذي ليست لديه شرعية شعبية عند أهله ووطنه هو الذي يستمد شرعيته من الأجنبي القوي.

ثورات اليوم الشعبية في بلاد العرب يقودها مواليد جيل الثمانينيات وما تلاها بشكل رئيس، جيلنا الذي ولد بعد كامب ديفيد ولم يعرف خلال الثلاثين سنة الماضية سوى الهزائم تلو الهزائم، والإحباط تلو الإحباط، والجيل الذي من الله عليه في الوقت نفسه بفضاءات مفتوحة تتيح له الوصول إلى المعلومة بعيداً عن فلترة وسائل الإعلام ومصادرة موظف الجمارك فعرف أن الحقائق والمعرفة قوة! ولما عرفها كفر بهم جميعاً..بالأحزاب التاريخية وشعاراتها الإنشائية والزعامات الاستثنائية الديكتاتورية وبكل المثقفين والمنظّرين الذين خدعوه أو ساهموا بطروحاتهم في تخديره، وأدرك أن الأفراد الذين يعتقدون أنهم آلهة يجب أن تعبد من دون الله لم يصلوا إلى هذه المرحلة إلا لأنهم وجدوا من يرفعهم فوق قدرهم ..فقرر الناس هذه المرة ألا يعبدوا سوى خالقهم وألا يرفعوا صورة أحد ولا يهتفوا سوى باسم الشعب..كل الشعب دون استثناء لطائفة أو دين..فكلهم شركاء في الوطن..لقد أدرك الشعب أخيراً أنه هو وحده فارس هذا الزمان الوحيد.