أخيرا عثرتُ على عمل أدبي ماتع يتناول حياة ضابط سعودي بتفاصيلها الإنسانية وهمومها وأحلامها؛ لكنه ليس عملا روائيا؛ وإنما "سيرة ذاتية"؛ تناولها كاتبها الصديق الأديب والعميد بحري ركن / عمرو العامري بطريقة أقرب لأن تُقرأ رواية؛ تحت عنوان "ليس للأدميرال من يكاتبه" وآخر أسفل الغلاف"مُذكرات ضابط سعودي"، استطاع خلاله أن يرصد لنا حياة إنسان سعودي فقير خرج من قريته البسيطة في جازان (القمري)؛ ليكون وأخوه أول من حصلوا على شهادة الابتدائية بتلك القرية؛ ثم تتواصل هجرته باتجاه الشمال ليتواصل الحلم إثر الحلم ويتخرج من الثانوية وتأخذه البعثة العسكرية إلى باكستان، ويتخرج منها ضابطا ثم يجوب دولا في أوروبا وأمريكا وآسيا حتى يعود إلى كليته العسكرية التي درس بها بباكستان عميدا بحريا ركنا؛ هكذا كانت حكاية القروي الفقير ضئيل الجسد بسبب الفاقة عبر رحلة عسكرية طموحة.
وهذا الإصدار أعده من أهم الإصدارات السردية الحديثة في الأدب السعودي فئة السيرة الذاتية؛ إنها تقربنا من الضابط الإنسان الذي يعيش في حياتنا لكنه غائب عن رواياتنا وأعمالنا الدرامية ومسرحنا؛ وبصدق ودون مجاملة للمؤلف العزيز الذي بات متقاعدا الآن من السلك العسكري البحري بعد عمل ثلاثين سنة؛ استطاع العامري أن يقدم لنا حياته بطريقة سلسة وماتعة لا تشعر معها بالملل؛ حتى تخيلتُ أني أقرأ رواية لا سيرة ذاتية؛ وتُحسب له فيها جرأته في تصوير "أناه" وعواطفها وهمومها لتكون بمثابة اعترافات إنسانية لا نجرؤ جميعنا أن نخوضها مع أنفسنا؛ فكيف بنا نكتبها على الورق؛ لتطبع كتبا تملأ رفوف المكتبات؛ وكأننا نفضح أنفسنا؛ لكن العامري ليس مثلنا، وليس مثل كل الذين كتبوا سيرتهم الذاتية وقدموها لنا لكي يقولوا لنا إنهم مثاليون ونماذج لا يمكن أن نراها إلا على الورق!!
والعامري لم يكن جبانا وهو يتحدث عن المرأة في حياته عن أمه وأخته وزوجته؛ لم يكن أنانيا وهو يقدم لنا تجربة كفاحه لنستفيد منها ويخرج عن المألوف محرضا غيره على كتابة سيرة ذاتية حقيقية وليس مجرد سيرأشبه بأبحاث علمية جامدة؛ ووصلت شجاعة المؤلف القاص أن طرحها لنا بأسلوب سردي مشتغل فنيا ومشوقا، فلا تنفك تبدأ بقراءتها وتنتهي منها لتعود تقلب صفحاتها مرة أخرى؛ وهو يقدم لنا اعترافاته الإنسانية دون أكاذيب مثالية، وليس ذلك بغريب عليه وهو القاص المبدع رغم حياته العسكرية الصارمة؛ فقد أصدر مجموعتين قصصيتين آخرهما "رغبات مؤجلة"؛ وهنا أتوجه له بالسؤال: لماذا لم تخرج لنا رواية حتى الآن لما تمتلكه من طاقة فنية سردية ؟! بل لماذا لا نقرأ لهذا الأديب العسكري عامودا صحفيا أو مقالا أسبوعيا في إحدى صحفنا المحلية ليهبنا مما يملكه من تجربة إنسانية!؟ أين الصحف لماذا لم تستكتبه بدلا من بعض كتاب المعاريض الإنشائية؟! أخيرا على من يريد كتابة سيرة ذاتية أن يكون بحجم الصدق في هذا الإصدار؛ فنحن بشر ولسنا ملائكة.
من مذكرات ضابط سعودي:
"ما الذي أتذكر من تلك الطفولة غير الحمى وأمراض الحصبة والملاريا والسعال الديكي ؟ يقولون أني متُ مرتين، مرة أطلقوا من فوق رأسي رصاصة وأفقت وأخرى كُويت بعود شجر (المرخ) في جبهتي فأفقت أيضا، ويبدو أن كلتا الميتتين لم تكونا سوى إغماءة الحمّى وعمر الشقي بقي كما يقال.."