من يتجول في حارات جدة وشوارعها الداخلية وبعض الشوارع الرئيسية، يشعر بكارثة بيئية تنتظر سكان المدينة ما لم تسرع أمانة محافظة جدة في احتواء تبعات السيول والأمطار التي ضربت المدينة قبل أسابيع. فبعد أن أبدت الأمانة نوعا من الجدية في التعامل مع السيول وآثارها، تراجع أداؤها وتباطأ نشاطها، أو أنها، وبعد أن أكملت نظافة ما تعتبره مهما من الشوارع والأحياء، قررت أن ذلك يكفي.
واليوم وبعد أسابيع من الأربعاء المظلم، لا تزال المستنقعات تنتشر في الأحياء بصورة مفزعة، تنبئ بشر قادم وكارثة جديدة من نوع آخر. وساهمت، إضافة إلى ذلك، الأراضي الخالية، المنتشرة في كل أرجاء المدينة، على حجز المياه المختلطة بالقاذورات، خاصة وقد ذكر شهود رؤية شاحنات الصرف الصحي وهي تفرغ حمولتها في هذه الأماكن.
من المعلوم أن المستنقعات والمناطق الرطبة هي البيئة الأمثل لتكاثر البعوض وكثير من الحشرات والكائنات الحية الأخرى. منها ما يضر بصحة الإنسان ومنها ما يؤذي البيئة. فالبعوض مثلا ناقل لكثير من الأمراض، ولنا تجربة مخيفة مع حمى الضنك وحمى الوادي المتصدع، وغيرهما من قبل.
لا يتطلبك الأمر تجوالا في الأحياء السكنية أو الشوارع الداخلية، ويكفي أن تزور شارع حائل، قرب منطقة طفح المياه والمجاري، وتفتح نوافذ سيارتك لمدة دقيقتين، ثم تبدأ في عد أسراب الذباب والبعوض الذي سيشاركك المكان ويلازمك بقية الرحلة. وقريبا ستجد البعوض والذباب داخل المنزل وفي المكتب بأعداد لا يمكن التعايش معها، ما لم يكن قد فعل قبل نشر المقال.
البعوض بذاته لا يتسبب في إحداث علة أو مرض، ولكنه ينقل ذلك من مصاب إلى شخص سليم. وفي مدينة كجدة يتوافد عليها الملايين من الناس من شتى دول العالم، حجاجا، وزوارا، وعمالة، لابد وأن يكون من بين هذه الملايين مصابون بأمراض معدية تستوطن بلادهم، وبعضهم لا تظهر عليه أعراضها. وهنا يأتي دور البعوض وتأتي أهمية أعداده. فكثرة أعداد البعوض ووجود أشخاص مصابين، تجعل انتقال المرض من شخص إلى آخر أمرا محتملا. وبزيادة عدد المصابين ومع ارتفاع أعداد البعوض، يرتفع معدل انتقال المرض، ويصل إلى مجتمعات جديدة، إلى أن يبلغ الأمر الحالة الوبائية، وهي انتشار لا يمكن احتواؤه لمرض معد. فهذه كالحركة الحلزونية يكبر محيطها كلما تقدمت في الوقت، وتُركت دون علاج.
وما قيل عن البعوض يمكن إسقاطه على الذباب، فهو الآخر ناقل للأمراض، وينجذب إلى الأماكن الرطبة لوضع بويضاته، حيث تنمو وتصبح حشرة تقع على المواد الملوثة، ثم على طعامك وشرابك وتنقل إليك العدوى والمرض. وفي وجود المخلفات والقاذورات وطفح المجاري على الأرض، لا ينقصها شيء تحتاجه لنقل الأمراض.
وهناك شبح مقنع، قل من يتنبه له غير المتخصص، يتجسد في إسراف الأمانة أو ما تستعمله في استخدام المبيدات الحشرية ذات الصبغة الكيماوية لمكافحة البعوض والذباب، وقد يلجأ المقاولون إلى استخدام مبيدات أقوى وأكثر فتكا، كحل لعجزهم، أو لإرضاء المسئول، أو صرف المستخلصات. ثبت أن لهذه المواد الكيماوية آثارا سلبية حادة وخطيرة على صحة الإنسان وعلى النظم الإيكولوجية الأخرى. فهي سامة إن وصلت إلى الجسم عن طريق الطعام والشراب، أو عن طريق الجلد أو الجهاز التنفسي، ولا تزال في الذاكرة قصص الموت من المبيدات في جدة.
ومن الممكن أن تصل هذه المواد إلى مياه البحر ويدخل بعضها في السلسلة الغذائية، وتنتهي بها الرحلة في كبد الإنسان وأحشائه. أو قد يستنشقها بعد جفاف المستنقعات وعودتها إلى الحالة الصلبة، وفي صورة مسحوق ناعم تحركه الريح وتثيره حركة الناس والسيارات، وتستقر داخل جهازه التنفسي، وتؤذي بشدة من يعانون من حساسية الجهاز التنفسي أو الربو.
وتضيف إلى المواد الكيماوية، في البيئة الهوائية، الأتربة وما علق بها من ملوثات. تثيرها الرياح أو حركة السيارات والمشاة، وتبعثها غبارا نستنشقه. ولأنها من مخلفات السيول فهي تربة ناعمة جدا وبمقدورها الوصول إلى الرئة والاستقرار فيها. وعندما يرتفع تركيزها وتتراكم، تصيب الجهاز التنفسي بالوهن والمرض. ولا يقتصر أذاها على الإنسان، فحتى الآلة تتأثر بالغبار، وقد تتعطل.
وقد تصل المبيدات إلى المياه الجوفية وتتحرك معها فتلوث مياه الآبار القريبة والتي تقع في طريقها، أو تتسرب إلى شبكة مياه الشرب المشروخة، والتي نعرف أنه يتسرب منها الماء بكميات كبيرة، ما يعني أنها مفتوحة على المياه تحت السطحية المختلطة بمياه الصرف وما تسرب من مياه السيول. وعندما يقف ضخ المياه داخل الأنابيب وينخفض الضغط، تنعكس الصورة، ويصبح تسرب المياه إلى الداخل، ومن هنا يأتي الخطر. تتلوث مياه الشرب بمواد كيماوية وعوامل بيولوجية، تصيب الإنسان بشتى أنواع الأمراض ومن بينها السرطان والكبد الوبائي. وكثير من هذه المواد لا يظهر أثرها إلا بعد حين، ما يجعل الكشف المبكر عنها أمرا صعبا وعلاج آثارها معقدا.
على الأمانة، فورا، مضاعفة جهودها والمسارعة في تجفيف المستنقعات والمناطق الرطبة، فليس في الوقت متسع وقد أصبح وجود الذباب والبعوض بأعداد تقرع الجرس ملموسا. وعليها الاقتصاد ما أمكن في استخدام المواد الكيماوية لأعمال المكافحة، واللجوء إلى الأساليب الميكانيكية والطرق الفيزيائية الأقل ضررا بصحة الإنسان وسلامة البيئة. ونحن علينا التأكد من سلامة ما نأكل ونشرب ونتنفس.