... إلى أين ستتجه العاصفة ومن يحدد مساراتها ويحصد نتاجاتها وما الذي يمكن القيام به في سبيل التخفيف من اندفاعاتها الكارثية..؟
ثم وهو الأهم لماذا تبدو النظم الجمهورية ذات التوجه الديموقراطي الملتبس هدفاً رئيساً لثورات جيل يكاد يكون في معظمه بنفس عمر الحاكم..
وهل من جوانب خفية يمكن التقاط صورتها من زوايا المشهد المكتظ بالمفارقات والحافل بالأسرار والمفاجآت؟
إنها أسئلة متواترة عن علاقات الأشياء ببعضها غير أنها تنتهي إلى محور رئيس حول قضية التغيير..
تغيير ماذا وبمن.. تغيير نحو الأفضل أم غليان يتغذى على الإحباط السياسي والحرمان الاقتصادي والمشكلات الاجتماعية ولا علاقة له بمشروع فكري أو رؤية منهجية تسمه بالنقاء وتربطه باستراتيجيات المستقبل؟
أسئلة غير مرتبة تبحث عن إجابات متناسقة تعيننا على الانتقال من متابعة الأحداث أو رصدها إلى المشاركة في التعاطي معها بحصافة ووعي حتى يكون بمقدورنا استشراف الأفق البعيد لما حدث والمساعدة في بحث معالجات عادلة تحد من كلفة ما سيحدث..
في وقت سابق كتبت عبر هذه الزاوية عن النظام العربي في بعض الأقطار وما يعترضه من تحديات تتطلب مراجعة الكثير من السياسات المجحفة في حق مجتمعاتنا وتطلعات شبابنا.
ارتفعت أصوات وجالت نصائح على تخوم النظام العربي على مدى العقود الثلاثة الماضية وبلغ الأمر بهذه الأصوات أو تلك المشورات درجة اليأس من استجابة معقولة أو التفاتة راشدة لا على صعيد الإصلاحات السياسية وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار ولا على مستوى التصالح مع الشعوب وإقامة موازين العدل وتمتين عرى الثقة بين الحاكم ومواطنيه وإنما على مختلف الاتجاهات المشروعة أو الممنوعة.
وعود الثورات العربية ذهبت أدراج الرياح وجاءت على أنقاضها شرعية أخرى تزعم الارتباط بسلطة الشعب وانتهاج الخيار الديموقراطي والإقرار بحق التعدد السياسي بهدف تداول السلطة سلمياً غير أن هذه الشرعية لحقت سابقتها وغدت في واقع الممارسة مناحة مضحكة تجري سباقاتها على عتبات النظام العالمي المهتم بإذكاء الصراعات الداخلية بوصفها الوسيلة المثلى لنفاذ أجندته وتحقيق مصالحه.
لقد اعتاد بعض متخذي القرار في بعض بلداننا على سماع نمط واحد من التقارير المظللة وركنوا على بطانات سيئة وأخلد بعضهم للدعة بينما قرر البعض الآخر توثيق تحالفاته الخارجية والاحتماء بها على أننا لا ننسى توافق معظم الحكومات العربية والإسلامية على تطويق شعوبها بالأزمات المختلقة وابتكار شتى الطرق التي تمكنها من التحايل على السنن الإلهية المجبولة على التغيير ولعلها بذلك أحرزت بعض النجاحات المرحلية ولم تدرك فداحة الثمن الذي ستدفعه الأوطان والشعوب وتدفعه هي أيضاً جراء الالتفاف على سنة كونية أو ارتهنت لقوانين وضعية مصممة على مقاس هذه الحكومة أو ذلك النظام.
تقول المعطيات إن الفرص المتاحة أمام النظام العربي والإسلامي لريادة التغيير وقيادة مساراته أهدرت عنوة لأسباب تتعلق بسيادة المزاج وحب التفرد وغلبة ثقافة المكابرة والعناد.
لكن ليس من بين تلك الأسباب ما يتصل بالمنطق وحسابات العقل..
إن تراكم مشاعر الغبن وانسداد علاقات الشراكة بين الأنظمة وقوى التغيير أديا إلى زعزعة ثقة الشارع بهما معاً سلطة ومعارضة ولذلك ينقاد لذاته ويقود عجلة التغيير دون حاجة للأخذ برأي حكومة أو حزب أو جماعة
لم يعد بمقدور أحد وقف العاصفة ولسوف تشق طريقها إلى حيث تريد وربما إلى ما لم يكن في حسبان سيلها المتدافع من أبناء شعبنا العربي وأمتنا الإسلامية..
إن كان من حكمة لدى بعض الحكومات العربية فإن دواعي الحاجة إليها تكمن في اللحظات الأخيرة حيث يكون الرهان على الزمن أكثر منه على عوامل التغيير.. إنها حكمة متأخرة يجب الدفع بكهولتها إلى الأمام.. وهي تستدعي السرعة والجرأة والتضحية والإرادة فلربما هدأت الخواطر وعدلت الشعوب عن استهداف نظم الحكم مقابل عدالة جاهزة ومؤسسات يديرها أكفاء وتوازن بين المسؤولية والمساءلة من شأنه حماية الأوطان من مركزية السلطة وإطلاقها ودون ذلك فإن التنازلات التي ترفضها الحكومات اليوم سيرفضها الشارع غداً وحينها لات مندم..