ثمة أشخاص في مجتمعنا يبدو أن هوايتهم المفضلة هي العزف على أنغام الكوارث والاحتفال بالمآسي، لا تحضرهم البلاغة في الحديث إلا في وقت الكوارث، يفرحون بكل أمر سلبي ويصرون أن يكونوا معاول هدم في بلدهم عندما يحمّلون الأمور أسوأ ما تحتمل ويفسرون حتى الكوارث بشكل بعيد عن المنطقية، أصابهم عمى الألوان فلا يرون إلا اللون الأسود في كل ما هو أمامهم.
نتعاطف مع إخوتنا في مدينة جدة ونعرف أن هناك أشخاصا ارتكبوا جرائم بحقهم وأتمنى تتبعهم بأثر رجعي وأن يطبق على البعض منهم حد الحرابة فهم من المفسدين في الأرض وربما جرائمهم أقسى بكثير لأنها بحق مجتمع بأكمله.
ولكن هناك فرق بين الحديث عن الكارثة بلغة العقل والمنطق والهدف النبيل الصادق وبين خلط الأمور وتفسيرها بشكل مغلوط يجرح مشاعر سكان مدينة جدة عندما يتم لومهم على ما أصابهم بل يتسع الجرح أحيانا ليشمل سكان المملكة العربية السعودية بكاملها عندما يلجأ الانتهازيون إلى محاولة طعن الوطن في المقتل من خلال توجيه تهم غير منطقية وقد يكون ذلك لتحقيق أهداف شخصية وربما أهداف مشبوهة لن تنجح بإذن الله.
المتصفح للمواقع الإلكترونية للصحف وبعض المنتديات الإخبارية يلاحظ بعض التعليقات الصادرة من أشخاص معظمهم من الشباب والبعض منهم أطفال لا يحسنون حتى لغة الكتابة يكيلون أنواع التوبيخ لكل مسؤول بل لكل إنسان يظهر اسمه أمامهم ويبحثون عن ضحية أو شماعة يعلقون عليها تبعات الكوارث، يكتبون تعليقات توحي عن نفسيات مشحونة بدرجة كبيرة تعكس قراءة مغلوطة للواقع مشفوعة بسوء الفهم وخطأ التشخيص، الأمر الذي يثبت أن هناك حشوا لأذهان الشباب بنظرية المؤامرة والنقمة والحقد على بلادهم.
لا أعرف لماذا يستغل البعض حتى الكوارث من أجل إشغال أذهان الشباب بالتركيز على السلبيات وتضخيمها؟ وما فائدة الإصرار على تصوير الواقع أمامهم بأن كل شيء ضدهم متجاهلين في ذلك أن الشباب يجب ألا يكونوا ضحية لمهاترات كهذه؟.
الحديث بهذه الطريقة لا بد أن يقود إلى تفكير غير عقلاني ويوحي للشباب بأن كل شي خارج عن إرادتهم ويمتلكهم الإحساس بأنهم ضحية لقوى خفية، هذا الإحساس كفيل بنشر ثقافة الإحباط وتكريس الاحتقان وفقدان الأمل، وسوف يساهم في تنشئة أجيال تحمل نفسيات مثقلة بالأزمات, فريسة سهلة للانقياد إلى ما فيه روح الانتقام مما ينعكس على سلوكيات خاطئة تصل بهم إلى الموقف العدائي لكل شيء جميل في الوطن. وسوف تحجب عنهم رؤية الواقع وتعميهم عن معرفة أخطائهم وتحطّم جهودهم لمحاسبة المخطئ وتعفي المتهرب من المسؤولية، وهي معركة خاسرة لكل الأطراف ولا فائدة منها إلا تأجيج المشاعر وتكريس الاحتقان والتعمية عن كل ما هو جميل وإيجابي.
إذا كان هناك عدة أشخاص ارتكبوا جرائم بحق مدينة جدة، فهناك ملايين المواطنين من سكان مدينة جدة يستحقون الشكر والثناء والتقدير وهناك مسؤولون مخلصون يتم تحميلهم أوزار ليس لهم دور فيها، وهناك مئات الشباب والشابات المتطوعين الذين يستحقون الاحترام والتقدير وهناك رجال الدفاع المدني الذين عمل البعض منهم على مدار الساعة دون توقف وساعدوا مئات الأسر ويستحقون التقدير وغيرهم الكثير الذين لا يتسع المجال لذكرهم. حل مشكلات مدينة جدة أصبح أحد هموم ولاة الأمر على أعلى المستويات ويحتاج إلى بعـض الوقت وربما تكون هناك أيام صعبة قادمة فالمشكلة لا يمكن أن تحل بين عشية وضحاها ولكن سوف تحل بإذن الله بشكل يفرح صدور المحبين لهذا الوطن الغالي.