نحن بحاجة إلى مؤسسات التفكير الإسلامي (Think - Tanks) لتنشيط مفاصل الفكر في العالم العربي. هذه المؤسسات تقوم بجمع وتحليل وتوظيف المعلومات، وهي تشبه في هذا الغدد الموجودة في الجسم.
نموذج ذلك الترابط المذهل بين الغدة النخامية (Pituitary - Gland) الراقدة في السرج التركي أسفل الجمجمة، وبقية غدد الجسم من الدرق في الحلق، والكظر مثل القبعة فوق رأس الكلية، والمبيض قرب الرحم، والثدي إدرارا للبن بعد الوضع، إنها كلها تترابط وتتعادل وتتوازن لإنتاج أعذب سيمفونية في توازن واستقرار الجسم.
ومثلاً فالعلاقة بين الغدة النخامية وغدة الدرق في العنق تقوم على التأثير التبادلي المتعادل، فالأخيرة تنتج هورمون الفعالية التيروكسين، وهو بدوره يلجم الهورمون النخامي، وبذلك تتشكل حلقة محكمة من توازن الشد والرخي والإفراز ولجمه.
ولقد خلقنا الأنسان في أحسن تقويم.
وعفوا للاستفاضة في نقل مفاهيم البيولوجيا إلى الفكر والمجتمع ولكنها جميلة ومفيدة وموضحة ولابد منها.
إن ميزة الغدد في الجسم أنها لاتفرغ بل تفرز، أي تلقي نواتجها في الدم وبكميات من حجم النانو ولكنها تؤثر بقدر الجبال الراسيات. أما المرارة فهي تفرغ نواتجها إلى الأمعاء.
وهذا هو دور هذه المؤسسات التي تقطّر الفكر تقطيرا وتحلله إلى وحداته الأولية، ومثل ذلك كيف راجعت مؤسسة الاستخبارات الأميركية نفسها في ثورة إيران عام 1979م وثورة مصر عام 2011م فلم تتنبأ بأي شيء مع كل مراقبتهم لدبيب كل نملة وطنين كل نحلة.
وأذكر جيدا كيف وقع في يدي كتاب باللغة الألمانية بعنوان الانقلاب في إيران وعلى غلافه الخارجي هذه العبارة: لم يكن عند الاستخبارات الأميركية علم ولو بمقدمات أي ثورة.
وهو أمر كررته مع ثورة مصر في شتاء عام 2011م وهو متوقع فالتاريخ يقول عن مثل هذه الساعات الحاسمات إنه لايجليها لوقتها إلا هو فتأتيهم بغتة فيقولون هل نحن منظرون.
إن مراكز التفكير هي التي تجند نفسها للمعلومات، وأذكر من النمسا الصهيوني وايزمان الذي تتبع النازيين إلى أكثر من نصف قرن ولو بلغ عمر النازي مئة وعشرين سنة.
وحاليا قامت ألمانيا بمشروع من هذا النوع في دراسة القرآن، ورصدوا له الملايين، وشكلت له لجنتان واحدة للمعلومات، في كل ما يتعلق بالقرآن على شكل بنك معلومات، والأخرى في تحليل وفرز المعلومات، وبالطبع بدون أي تابو، ومن المقرر أن ينتهي المشروع عام 2025م من حجم الماموت، هو مشروع الجينوم القرآني، بحيث يجمعون كل المعلومات والتفاسير ونسخ المصحف من أطراف العالم الأربعة، ثم يجلس فريق للتحليل، وإذا سمعنا عن إسلام البعض فهو متوقع..
أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل؟
لقد حاول المعهد العالمي للفكر الإسلامي قفزة من هذا النوع على يد إسماعيل الفاروقي فقتله بنو صهيون على يد أسود بسبعين طعنة خنجر وزوجته بعد أن قتل الجيش الأميركي ابنه من قبل.
كذلك اقترح عبد الحليم أبو شقة صاحب كتاب موسوعة تحرير المرأة في عصر الرسالة تشكل مجموعة من الخبراء في علم الاجتماع.
ومن جملة ما أشجع عليه مشروع الجينوم القرآني؛ فأقترحه على كل مقتدر، لتطوير هذا المشروع من جهتنا فالعالم الإسلامي بأمس الحاجة إلى إخراج تفسير قرآني عصري بالصوت والصورة، واعتماد أدوات العلوم الإنسانية المساعدة، فلا يمكن فتح جمجمة مريض بأدوات فرعونية جراحية.
والخلاصة التي ننتهي إليها أهمية تكوين هذه الغدد الاجتماعية لصحة حياة الجماعة.. والله يعلم وأنتم لاتعلمون...