-1-
سبق أن قلت في مقال (أحفاد بورقيبة ينتفضون) قبل أسابيع مضت، إن ما حدث في تونس، من الصعب أن يحصل له مثيل في العالم العربي. وإن ما حصل ويحصل الآن في مصر، حادث مختلف عما حصل في تونس. وشرحت الأسباب التاريخية، والسياسية، والثقافية، التي تتمتع بها تونس والتي أهلَّتها لأن تقوم بما قامت به حتى الآن، منذ نهاية ديسمبر الماضي. ومن الأسباب التي ذكرتها أن انتفاضة الشعب التونسي، هي نتاج الفكر السياسي والاجتماعي التونسي. فتونس هذا البلد الصغير بحجم أرضه، والصغير بعدد سكانه، أنتج من الفكر العربي الحداثي والليبرالي في النصف الثاني من القرن العشرين، ما لم ينتجه أي بلد عربي آخر أكبر منه، كمصر مثلاً. فدور المفكرين التونسيين الليبراليين الجُدد كمحمد الشرفي، ومحمد طالبي، ومنجية السواحي، وعبد المجيد الشرفي، والعفيف الأخضر، وسلوى الشرفي، وعبد الوهاب المؤدب، ومحمد شريف فرجاني، وهشام جعيط، ورجاء بن سلامة، والحبيب الجنحاني، وإقبال الغربي، وفتحي بن سلامة، وأمل قرامي، ومحمد الحداد، وغيرهم وغيرهن كثيرون وكثيرات، من مثقفي ومثقفات تونس ومفكريها. وهؤلاء وغيرهم، هم مثقفو ومفكرو عصر التنوير التونسي في النصف الثاني من القرن العشرين، ومطلع الألفية الثالثة.
وهم فكر الانتفاضة التونسية، كما كان روسو وفولتير ومونتسكيو وتوم بين وغيرهم، فكر الثورة الفرنسية والأمريكية.
-2-
لفت نظري ما قاله المفكر والأكاديمي التونسي محمد الحداد، الأستاذ في الجامعة التونسية، وأستاذ كرسي اليونسكو لعلم الأديان المقارن، من أن الشباب التونسي الذين قاموا بالانتفاضة التونسية لم يقرؤوا التراث السياسي العالمي أو الإسلامي، ولم يعرفوا أعلامه، وكتابه، ومفكريه. مما يعني أن ما كتبه مفكرو تونس الذين ذكرناهم قبل قليل لم يقرأه أحد في تونس. وأن كل ما كُتب كان هباء منثوراً لم يفد الانتفاضة، ولم ينتفع به المنتفضون.
لقد أكد الحداد على أن "ثقافة ووعي الشباب التونسي، تشكلا من خلال مصادر الإنترنت. وقال إن تلك الانتفاضة استطاعت أن تمضي بخطوات أوسع عندما كانت تلقائية وعفوية". وأضاف الحداد في برنامج (إضاءات) الذي بثته فضائية العربية أن: "الشباب التونسي تعلم الحرية من الحياة لا من الأيديولوجيات. فالتجربة الجديدة التي قدمتها الانتفاضة التونسية، هي أن الثورات في السابق، كانت تنبع من الخلفيات الأيديولوجية، لكنها اليوم جاءت من شباب، ربما بعضهم لا يعرف اسم كارل ماركس، ولا سيد قطب".
فمن أية أيديولوجيا تعلَّم الفرنسيون القيام بثورتهم عام 1789؟ ومن أية أيديولوجيا تعلَّم الأمريكيون للقيام بثورتهم، ونيل استقلالهم عام 1776؟ الثورة الوحيدة، التي كانت ذات أيديولوجيا محددة، هي الثورة البلشفية في روسيا، 1917 التي تبنت الأيديولوجيا الماركسية. أما الثورة الفرنسية، فقد اقتاتت واشتعلت بفضل أفكار روسو، وفولتير، ومونتسكيو وغيرهم. وحفظت هذه الأفكار في الحرية والعدالة والمساواة. أما الثورة الأمريكية، فقد اقتاتت واشتعلت، بفضل أفكار الفيلسوف السياسي البريطاني الأمريكي توم بين، وجون لوك، وتوماس جيفرسون، وصموئيل آدامز، وغيرهم.
-3-
ما زال الوقت مبكراً حتى الآن، لكتابة تاريخ أفكار الانتفاضة التونسية، والعوامل الثقافية التي أثرت فيها. أما ما يقال عن محركات ومهاميز هذه الانتفاضة كالبطالة، والفساد المالي والإداري، ودكتاتورية الرأي الواحد، فذلك ما هو طافٍ من جبل الثلج الذي كان عائماً في المحيط التونسي. أما القسم الأكبر المخفي تحت الماء، فلم يتبين لنا حتى الآن، ويحتاج إلى غواصين كثيرين. وما زال الحكم عليه مبكراً جداً. فقد تمَّ الحكم على الأفكار التي أثرت على الثورة الفرنسية بعد مضي أكثر من ثلاثين عاماً على قيام هذه الثورة كما يقول برنار غروتويزن في كتابه (فلسفة الثورة الفرنسية)، كذلك تم الأمر نفسه مع الثورة الأمريكية التي أشعلها مجموعة من المفكرين الأمريكيين، ومنهم توم بين Paine في كتابيه (حقوق الإنسان)، و (الحصافة Common Sense)، الذي كان بمثابة "إنجيل" الثورة الأمريكية. وكان معظم الأمريكيين يحتفظون بنسخة من هذا الكتاب تحت وسائدهم، ويحفظونه عن ظهر قلب.
-4-
يقول الحداد عن الانتفاضة التونسية:
"إن هذه الانتفاضة لم يطلقها السياسيون ولا حتى المثقفون أو الشعراء، بل كانت ثورة شبابية بامتياز. فقبل حادثة إحراق الشهيد محمد البوعزيزي نفسه بسنوات، كانت قد تنامت في تونس ظاهرة لم يتفطن النظام إلى أبعادها، وهي استعمال الشباب الشبكات الاجتماعية، والفيسبوك تخصيصاً، للتعبير عن آرائهم، فكانوا يستعملون كتابة مرموزة أو يستخدمون اللغة الإنجليزية التي لا يتقنها الرقيب، وشيّد الشباب عالمه الافتراضي الوردي بديلاً من العالم السياسي والاجتماعي المحبط الذي كان يعيش فيه، وربما شجع النظام على هذا التوجه كي يجعل المواطنين ينشغلون بالعالم الافتراضي عن العالم الواقعي".
وهذا القول يجانب الصواب، وفيه خفة وسطحية غير معهودة، عن الحداد. لأنه لا بذرة تنبت دون أرض. ولا أرض تُنبت دون بذرة. ولا شك أن ثورة المعلومات والاتصالات "عجّلت" في قيام الانتفاضة التونسية. وكانت لها الطاقة الكهربائية، بدلاً من طاقة الفحم الحجري. ولكن البذرة لهذه الانتفاضة، كان قد زرعها الزُرَّاع المثقفون من أمثال الحداد شخصياً وغيره.
-5-
وفي المقالات القادمة، سوف نستعرض أفكار المفكرين التونسيين الحداثيين الذين زرعوا ما حصدته الانتفاضة التونسية. وكان لهم الباع الثقافي الأكبر والمعرفي الأطول، في انطلاق الانتفاضة التونسية وصناعة تونس الجديدة، بكل ما يحفُّ بها من آمال وأحلام. ومن هؤلاء، المفكر التونسي محمد الحداد الذي ينكر أو يتنكر لتأثير فكره وفكر زملائه وأساتذته في تكوين عقل الانتفاضة التونسية.