دخلت المحكمة امرأة محجبة، عليها وقار وحشمة وثبات، ترافقها فتاتان عليهما سمات الرزانة والثقة بالنفس وتحملان حقيبتين مليئتين بالأوراق. سلمت تلك المرأة على من كان في طريقها من الرجال بثقة عالية ومضت بخطى ثابتة حتى دخلت مكتب القاضي. استقبلها موظف كانت ترتعد فرائصه منها عندما دخلت بهيبتها وجديتها إلى المكتب ثم مدت يدها لتفتح مكتب القاضي. جلست في مكتبها ومعها الفتاتان وبعد فترة فتح باب المجلس وبدأ يتوافد إليه الرجال والنساء حتى غص بالحضور. كنت أظنها مناقشة رسالة دكتوراه في جامعة عربية. عندها قررت البقاء لأفهم ما يجري في المحكمة. جلستْ على منصة القضاء وجلس الحضور، مشهد مثير للغاية. فقد بدأ فتح الحقائب والسجلات وأخذت المرأة تفتش في سجلاتها. وأخذت كل فتاة تفتح أوراقها، واحدة تدون الجلسة وما يتم فيها، وأخرى تتابع مع المرأة أوراق القضية ووثائقها. وبدأت المرأة بالبسملة والصلاة على سيدنا محمد وآله وصحبه، ثم تلت قوله تعالى: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكمو بالعدل، ثم نادت بأسماء المتقاضين واحدا بعد الآخر، وبعدها طلبت من المدعي الطرف الأول أن يتقدم إلى منصة الادعاء ويتحدث عن دعواه. جلس المدعي وهو رجل كفيف ويبلغ من العمر اثنين وستين عاما، وقد أذهلني هذا الشخص كيف كان يسرد على المرأة دعواه موضحا فيها كل الأدلة على شكل نقاط، والقاضية تصغي إليه وتدون بقلمها بعض الملاحظات، بينما مرافقاتها يدون ويتابعن كل ما يحدث في مجلس القضاء. بدأ المدعي فقال: إن لي ابنة تبلغ من العمر ثلاثة وثلاثين عاما وتحمل درجة الدكتوراه في اللغة العربية من جامعة وطنية وتجيد لغة أجنبية ولها خبرة كبيرة في التقنية الحديثة. تزوجت ولها أربعة أطفال ثم توفي زوجها وأصبحت هي المسؤولة عنهم وليس لديها عمل. وأنا لا أستطيع أن أقوم برعايتها وأبنائها، وقد رغبتْ أن تعمل في إحدى المؤسسات المختلطة فرفضت لأنها مختلطة. فاختارت إرسال أولادها لدار الرعاية الاجتماعية وتسكن هي في دار الخدمة الاجتماعية فرفضت أيضا. أما أختها الثانية فهي متعلمة تعليما ثانويا ولها خمسة أطفال وقد تزوجت من رجل يعمل في وظيفة دخلها ثلاثة آلاف ريال وهناك متطلبات معيشية كثيرة، فقررتْ أن تعمل في أحد المستشتفيات مراسلة، فرفضت أيضا لأنها سوف تعمل في مكان مختلط. أما ابنتي الثالثة فهي طالبة في الجامعة ومتفوقة جدا وحصلت على الامتياز ثم الإعادة، وحصلت على الموافقة بالالتحاق ببرنامج الابتعاث، ولكن من شروطه أن يكون معها محرم. وقد رفضت أيضا التحاقها بالبرنامج لعدم وجود محرم معها والتعليم الغربي مختلط. أما ابنتي الأخرى فقد تزوجت ولها أبناء وبنات وحصلت على أعلى الشهادات في الشريعة وتعينت قاضية وقد غضبت عليها لأنها توظفت في القضاء وكنت أفضل أن تذهب للتدريس أستر لها ولنا، وقد قاطعتُها لأنها عملت في القضاء المختلط الذي يستدعي كشف وجهها. ثم طلب المدعي أن يتم إلحاق ابنتيه المطلقة والأرملة وأبنائهما بالضمان الاجتماعي أسوة بما يتم في بعض البلدان المتقدمة التي تكفل الدخل والضمان الصحي للمواطن حتى يحصل على عمل مناسب. سألت القاضية الرجل هل لديه أولاد ذكور فقال لا. ثم طلبت من الأرملة بنت الرجل الأولى أن تتقدم لمنصة الادعاء فتدلي بما لديها. جلست الأرملة أمام المرأة وأصرت على رغبتها في العمل حتى لو كان مختلطا بحجة أنها مرأة مسؤولة وتحافظ على كرامتها وشرفها. وخاصة أن المجتمع الذي تعمل فيه مسلم ومحافظ وعندهم أخلاق ودين. ثم نادت القاضية على الأخت المتزوجة فتقدمت للمنصة وأصرت على رغبتها في العمل لتوفر الدخل الكافي لأسرتها وتسهم في خدمة المجتمع بدلا من العمالة الأجنبية. ثم دعت القاضية الابنة المعيدة لتدلي برأيها، وأصرت على السفر لتتعلم وليس ذنبها أنها غير متزوجة أو أنه لا محرم عندها. وقالت: إن ولي أمرها هو ولي أمر المسلمين وقد وافق على ابتعاث البنات للخارج. وقالت: لو بقيت لن تتمكن من مواصلة دراستها. انتهت المرافعات وخرجت القاضية إلى مكتبها ومعها مرافقاتها. عادت القاضية وقالت: بعد الاطلاع على دعوى المدعي وعلى إجابات المدعى عليهن، وبعد الفهم لظروف الناس وتعددها واختلافها وحتى لا يصبح المجتمع عالة على الدولة وعلى الضمان الاجتماعي فقد حكمنا بما يلي:
أولا: الموافقة على التحاق الأرملة بالعمل شريطة الالتزام بالضوابط الشرعية. وقد جعلتها ولية على نفسها وأولادها لرجاحة عقلها وإداركها لمسؤوليتها.
ثانيا: الموافقة على عمل الابنة المتزوجة مع مراعاة الالتزام بالضوابط الشرعية. حتى تسهم في التكافل الأسري وفي الشراكة في الحياة.
ثاثا: الموافقة على التحاق المعيدة ببرنامج الابتعاث بموافقة خطية من والدها دون حاجة لمحرم. إلا إذا كانت بالغة فهي مسؤولة عن نفسها أمام الله والناس. ولا تحتاج لإذن من أحد إلا إذا رأت أن من باب التقدير والاحترام طاعة الوالدين والعمل على رضاهما إلا فيما يخالف الشرع.
رابعا: تتصالح القاضية مع والدها الذي قاطعها ورفض اللقاء بها منذ أن التحقت بالقضاء.
انتهت المحاكمة العائلية بين الأب وبناته.