لستُ ممن يكتبون في السياسة ولا أحبها؛ ولكن خلال متابعتي للقنوات الفضائية ومقالات الصحف فيما بعد ثورة التحرير المصرية الشابة التي أنحني لها احتراما؛ تذكرتُ لحظة وقوفي متأملة بصمت تمثال "الحرية" الواقع على جزيرة صغيرة في خليج مدينة نيويورك خلال رحلة قصيرة إلى أمريكا عام 2007م؛ وكان شتاء؛ وأتذكر أني نسيت الشعور ببرودة أطرافي والهواء القارص لوجهي؛ وانشغلت بتأمل امرأة تحمل بيدها اليمنى شعلة "الحرية" وباليسرى كتابا، لكن السؤال الذي جعلني أسحب عيني من التمثال الضخم لأتأمل المسافة المائية التي تتوسط بين اليابسة التي أقف عليها والسيدة "حرية" أو دعوني أقول الديموقراطية هو: كم المسافة الزمنية التي يمكن للعرب في مجتمعاتهم لأن يصلوا لمعنى رمزية هذا التمثال كممارسة عن قناعة ومسؤولية لا مجرد شكل وشعارات؟! وما جعلني أتذكر نصب الحرية في ظلّ الأحداث التي يعيشها أشقاؤنا المصريون أن هذا التمثال القابع في خليج نيويورك كان يُفترض أن يكون بقناة السويس في مصر؛ فقد صممه النحات الفرنسي "فريدريك بارتولدي" كتمثال مصغر وقدمه أولا قبل 200 سنة للخديوي إسماعيل؛ عارضا عليه فكرة إقامته في قناة السويس؛ لكنه اعتذر مبررا عدم امتلاك مصر سيولة كافية لإنشائه؛ وهكذا بقي التمثال صغيرا حتى تبنته فرنسا وأهدته لأمريكا.
ولا أعلم، هل الخديوي إسماعيل رفض إقامة التمثال تخوفا من رمزيته على سلطته أم عدم اكتراثه بمضمون ما يرمز له!؟ وفي الحالتين؛ النتيجة تلقي بظلالها على سؤال أخص به إخواني المصريين: إلى ماذا يحتاجون ليصلوا إلى ديموقراطية حقيقية لا شكلانية!؟ وهذا السؤال يفرض نفسه الآن بقوة عليهم بعد ثورة ميدان التحرير التي أنجزها الشباب بوعي ومسؤولية فتحققت لهم أولى خطواتهم إلى الديموقراطية، لكنها لم تتحقق بعد؛ فتطبيقها يحتاج أيضا منهم إلى وعي ومسؤولية وجهد نفسي كبير كما فعلوا حين طالبوا بها؛ وبصدق أخشى عليهم أن يعيقهم هذا الكم الهائل من الإنشائية العاطفية في مقالات الكتاب وعناوين الصحف؛ صحيح هو إنجاز يستحق الفخر، ولكن ينبغي مواصلة بناء المشروع الذي لم يتحقق بعد؛ وهناك كثر من المصريين الآن عبر صحفهم وإعلامهم ما زالوا أسرى لما قبل 11 فبراير؛ فمطالبهم لم تتجاوز تنفيس الغضب والانتقام من النظام السابق بنشر فضائحه ومحاسبته؛ وهو حقهم؛ لكن إهدار الوقت في محاسبة الماضي يُضيع الوقت المتاح الذي ينبغي اقتناصه لبناء مستقبل ما بعد 11 فبراير؛ قبل أن يلوثه أعداؤهم المتربصون بهم؛ فمشروعهم لا يزال جنينا عالقا يحتاج لأن يكبر بإدراكهم أن نتائج ثورتهم البيضاء لن يقطفها هؤلاء الشباب في ميدان التحرير ولا المصريون اليوم؛ بل أبناؤهم غدا؛ فليس بين يوم وليلة ستتحقق أحلام الفقراء!! أو يعمل الشباب العاطل!! أو إصلاح التعليم! أو تُزاد رواتب الموظفين!! ولهذا عليهم أن يخرجوا من النداء بشعارات ما قبل 11 فبراير إلى ممارسة مضمونها بعد 11 فبراير، فالمهمة صعبة جدا تحتاج إلى تضامنهم ونبذ الأنا وكظم الغضب؛ وأكيدة أن المصريين وطنيون حتى النخاع وسيبنون مشروعهم؛ لكن عليهم الاستفادة من التجربة العراقية؛ صحيح أن التغيير فيها كان من الخارج لا من الداخل كمصر؛ ولكن العراقيين أضاعوا وقتهم في الانتقام من الماضي وتركوا للأعداء تلويث مستقبلهم؛ والنتيجة ديموقراطية ضائعة وعراق يتفتت!