في البحث عن أثر التكنولوجيا على الإنسان، تجد العديد من المساوئ التي تقتل المشاعر أحياناً، وتغتال الطاقات البشرية أحياناً أخرى.
فعلى سبيل المثال تجد اللقاءات الحميمية الحقيقية - جسداً وروحاً - بين الأصدقاء والأهل والإخوان والأقارب بشكل عام، متآكلة إلى حد بعيد، قتلها الجوال أو الموبايل، فتحولت المشاعر التي كانت تظلل وجوه الناس وتكبر في ملامحهم كأشجار عفية، إلى كائنات هزيلة خفية لا تنمو إلاّ عبر الصوت!.
ولا تجد التكنولوجيا وقد تعملقت في مكان ما – شركة أو مصنعاً أو مؤسسة... إلخ – إلاّ وقضت على ما استطاعت من الطاقات البشرية، وأسهمت إسهاماً فعلياً فيما تعاني منه مختلف الدول من بطالة شبابها سواء كانوا خريجي جامعات أو معاهد أو حتى أميين!.
الإنسان حولته الآلة إلى شيء، مجرد شيء، فأصبح في الكثير من البلدان المتقدمة تكنولوجيا يعاني صنوفاً من الاغتراب المكاني والنفسي والاقتصادي والروحي والثقافي والديني، تنذر بكارثة تطال مفاهيم الانتماء والولاء لا للأوطان فحسب، وإنما للإنسانية ذاتها!.
هكذا يقول أعداء التكنولوجيا والتقدم العلمي، ولهم كل الحق، ولكن ينبغي أيضاً أن ننظر إلى الجانب الآخر، نصف الكأس المليء، فالتكنولوجيا أنقذت أرواحاً من الهلاك، وضاعفت الإنتاج في العديد من المجالات. بنت جسوراً من التواصل الروحي بين الناس في مشارق الأرض ومغاربها – وإن غاب الجسد. طوت المسافات بين العقول المبتكرة والمخترعة والعقول التي لا تعي إلا الذكريات والماضي. وفرت السبل للتواصل بين المواطن والمسؤول، خاصة إذا ما كان هذا المسؤول متحلياً بأجمل سمات الوعي والخلق الرفيع والتواضع النبيل كوزير الثقافة والإعلام الدكتور عبدالعزيز خوجة، وشاهدنا في ذلك صفحته على الفيس بوك!، تماماً كما وفرت سبل الاطلاع على الآداب العالمية، والطروحات الفكرية، والمبتكرات المادية التي تسعى إلى رقي الإنسان أينما كان. التكنولوجيا أصبحت متنفساً لا غنى عنه للمواهب التي لا تجد مساحة على أوراق الصحف والمجلات، التي غالباً ما شوهتها الشللية والنخبوية. التكنولوجيا أعتقد أنها ستنقلنا – نحن العرب - من "شعوب لا تقرأ" إلى شعوب تقرأ وتحلل وتستنبط وتستشرف!.
لا يمكن أن يظل الإنسان أسيراً لرؤية واحدة، هذا - ببساطة شديدة - ما وخزت به التكنولوجيا عقول الناس وضمائرها، فرأت، وسمعت، وتكلمت، وشعرت بأنها ما زالت على قيد الحياة، وأنها يمكن أن تكون عنصراً فاعلاً، لا مفعولاً به على الدوام!.
أقول: لو لم يكن للتكنولوجيا من فضائل ومحاسن في عصرنا هذا إلا ما فعله الفيس بوك في مصر فهذا يكفي!.