أوردت "الوطن" (9/6/1431هـ) تصريحا لمدير مشروع "نظام ساهر" العقيد عبدالرحمن المقبل ذكر فيه أن إحدى غايات النظام "التصدي لأهم العناصر المسببة للحوادث المرورية والمتمثلة في السرعة وقطع الإشارة، وكذلك النواحي الأمنية". وأشار إلى بعض الأسباب المهمة التي تكمن وراء ارتكاب السائقين للمخالفات المرورية.
وامتدادا لملاحظة العقيد المقبل يمكن القول إن سائقي المنازل يمثلون النسبة الكبرى من مرتكبي المخالفات لـ "نظام ساهر"، ولذلك أسبابه الواضحة التي زاد هذا النظام منها، ولا يمكنه علاجها.
فقد أدت التغيرات الهائلة لظروف الحياة، وأدى عدم التعامل الملائم معها، إلى اضطرار أكثر الأسر السعودية إلى الاعتماد على سائق أجنبي يقوم بالمهمات اليومية التي تشمل توصيل النساء إلى جامعاتهن أو مقار أعمالهن أو الأسواق أو المناسبات الاجتماعية، ذلك أنه صار من المتعذر على الرجل السعودي القيام بهذه المهمات للأسباب نفسها.
ولا أُضيف جديدا حين أعرض بعض المشكلات اليومية التي تتعرض لها الأسرة السعودية بسبب السائق الأجنبي. وما أورده هنا لا يعدو التذكير بما هو معروف ولا ينازع فيه إلا من يتعامى عن رؤية الواقع غير الطبيعي الماثل في بلادنا بسبب السائق ـ وجودا وعدما.
لنبدأ بالأعباء المادية التي يتحملها المواطن نظير وجود السائق. وأول الأكلاف المادية دفعُه ألفي ريال لاستخراج تأشيرة سائق. ويتبع ذلك مبلغ يتقاضاه مكتب الاستقدام يتراوح ـ بحسب البلدان التي يأتي منها السائقون ـ بين ثلاثة آلاف وخمسمئة وستة آلاف ريال، أو تزيد. ثم ينتظر المواطن ثلاثة أشهر في الأقل ليصل السائق الذي يكون في الغالب أميا أو شبيها بالأمي وتنقصه الخبرة في قيادة السيارة وفي أنظمة المرور السائدة، ولا يُعرف شيء عن سجله الأمني.
ويتطلب وجوده توفير سكن غالبا ما يكون غرفة ضيقة غير ملائمة للسكن الآدمي تبنى في السور الخارجي للمسكن. ويصل راتبه الشهري إلى ألف ومئتي ريال. ومع ارتفاع قيمة هذا المبلغ في بلد السائق إلا أنه قليل قياسا بمستوى المعيشة في المملكة. يضاف إلى ذلك كلفة الماء والكهرباء الشهرية لمسكنه. ويلحق ذلك رسوم الكشف الطبي واستخراج الإقامة واستخراج رخصة القيادة وأكلاف العناية الطبية، وينتهي ذلك كله بشراء تذكرة العودة إلى بلاده إن استمر في العمل عند كفيله. ويحمِّل مجموعُ هذه الأكلاف موازنةَ الأسرة عبئا لا تستطيع الوفاء به أحيانا ويتسبب في مشكلات عويصة.
ثم يبدأ السائق العمل. ولا يمكن أن يجادِل أحد في أن عمله شاق جدا. فربما امتد يوميا من السادسة صباحا حتى العاشرة مساء، وإلى ساعات الصباح الأولى في عطلات الأسبوع والعطلة الصيفية وفي رمضان والمناسبات الاجتماعية.
ثم يكتشف السائق سريعا أنه وقع في ورطة ساعات العمل الطويلة التي تحرمه من الراحة طوال الأسبوع.
وينعكس هذا على تعامله مع السيارة التي يجور في قيادتها انتقاما من الكفيل. يضاف إلى ذلك تضجره وشكواه الدائمان من سوء معاملة الأهل والأطفال وكثرة المشاوير ومرارة الانتظار لساعات في الحر والبرد.
وكثيرا ما يحل السائق هذه المشكلات بعد التعرف على سائقين من جنسيته بالهرب ليعمل سائقا عند غير كفيله بأجر مؤقت أعلى وظروف عمل أفضل، أو ينضم إلى طوابير الهاربين من كفلائهم ليعمل في أي عمل آخر. وربما يصل به الأمر إلى الانخراط في شبكات الإجرام وترويج الممنوعات، وهو ما تضج به أخبار الصحف السعودية يوميا.
ومن البين أن هذه الحال التي اختصرت مشكلاتها تمثل وضعا غريبا للسائق والكفيل على حد سواء. ويكفي أن يكون من مساوئ وجود السائق اطِّلاعُه على أسرار البيوت الذي ربما ينتهي بتآمره مع بعض المجرمين من جنسيته أو غيرهم لسرقتها، أو إيقاع بعض أعضاء الأسرة من الأولاد والبنات في بعض الجرائم الأخلاقية وتعاطي المخدرات، وأقل ذلك إيقاع بعضهم في عادات ضارة كالتدخين أو غير ذلك.
وقد كشفت المخالفات الكثيرة التي نجمت عن تطبيق "نظام ساهر" عن الجانب المادي لهذا الوضع غير الطبيعي بشكل واضح جدا. ويمكن أن أمثِّل بحال أحد الأصدقاء الذي استقدم سائقا إندونيسيا قبل خمسة أشهر وكلَّفه ذلك أكثر من ثمانية آلاف ريال.
فقد فوجئ الصديق بسبع رسائل متتابعة على جواله من "نظام ساهر" تُنذر بسبع مخالفات ارتكبها السائق لتجاوزه حد السرعة في بعض الشوارع الداخلية في الرياض. وبلغت المبالغ المستحقة جراء هذه المخالفات ألفين ومئتي ريال. وكان الصديق كلما تلقى رسالة تفيد بمخالفة ارتكبها السائق ذهب إليه ليؤنبه حتى ساءت العلاقة بينهما. وبعد وصول الرسالة السابعة بلغ الغضب بالصديق مداه فهدد السائق بحسم تلك المبالغ من راتبه. وقد فوجئ في صباح اليوم التالي بهروب السائق.
ونجم عن هذا الهروب مشكلات كبرى في منزل الصديق: فمن الذي يوصل ابنته الكبرى إلى عملها؟ ومن الذي يوصل بناته الأخريات إلى كلياتهن المختلفة، ومن يذهب بزوجته لشراء ما يحتاجه البيت؟ إلى آخر تلك المهمات التي كان السائق يقوم بها.
وبعد أن أبلغ الصديق إدارة المتخلفين بهروب السائق ذهب إلى أحد مكاتب الاستقدام ليدفع خمسة آلاف وخمسمئة ريال أخرى مقابل استخراج تأشيرة جديدة واستقدام سائق جديد لن يصل قبل ثلاثة أشهر. ويعني هذا أنه تحمَّل في هذه الأشهر الخمسة أربعة عشر ألف ريال تقريبا إضافة إلى المبلغ المستحق لـ"نظام ساهر" الذي كان دفْعُه شرطا لاسـتخراج التأشيرة. ثم ذهب للبحث عند مكاتب تأجير السائقين عن سـائق بديل.وتتقاضى هذه المكاتب ما لا يقل عن ألفين ومئتي ريال شهريا راتبا للسائق المؤقت. ولم يجد في أي من المكـاتب التي كـان يتعامل معها في مثل هذه الحـالات سـائقا، فاضطر إلى طلب المساعدة من السائقين الـذين يعرفون بعض أصـدقائهم الهاربين فأنجدوه بسائق سيئ جدا لقاء ألفي ريال في الشهر. واضطر إلى القبول به حتى تنفرج المشكلة بوصول سائقه المرتقب. هذا مثال واحد لحال أسرة سعودية واحدة متوسطة الدخل مع السائق، فكيف بمن هم دونها في القدرة المادية؟ وهذه بعض المشكلات التي أسهم "نظام ساهر" في إبـرازها والتسبب فيها.
ويَلزم عن هذا كله وجوب البحث عن حلول ملائمة لعلاج هذه الحال السيئة المستمرة لأكثر من ثلاثة عقود. وهي سيئة للسائق الأجنبي الذي يكلَّف بما لا يطيق مـن العمل، وللأسـرة التي غالبا ما تعاني مـاديا ونفسيا من وجـود السائق وعدمه، وللنظام العام والأمن في بلادنا.