ما يزال أسرى نظرية المؤامرة يبحثون عن الشواهد والإشارات والآثار الدالة على أن "الثورة المصرية"، ومن قبلها انتفاضة الغضب في تونس، كانت مؤامرة هدفها تمزيق "الأمة" وزعزعة استقرار الأوطان والعبث بعقول الشباب وتدمير القيم. وأن تسريبات ويكيليكس كانت مقدمة لإثارة الشعوب ضد حكامها وزيادة مساحة الشك بينهما. وأن تسريب وثائق محادثات السلام بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل وما كشفته من ملابسات تحبط الأمل في سلام عادل يحفظ الحقوق، كان حلقة في مسلسل المؤامرة للمزيد من إلهاب مشاعر الجماهير ضد الأنظمة الحاكمة. وأن "الغرب" يقف وراء تدريب بعض قيادات الحركة الشبابية في مصر بهدف زيادة موجات الكراهية لإطلاق قيد "الفوضى الخلاقة" التي بشرت بها وزيرة الخارجية الأمريكية كوندا ليزا. والحديث عن المؤامرة وحقيقتها ومساحتها وقوة تأثيرها ومن يتآمر على من قضية قديمة جديدة. هي قديمة لأنها "عشعشت" في عقول البعض واختلطت بمشاعرهم وطريقة تفكيرهم فصبغت نظرتهم بلونها فلم يعودوا قادرين على رؤية الألوان والمساحات على حقيقتها. وجديدة لأن تشابك المصالح وتدافع الأطماع وتعارض الأهداف يتطلب فحص القضايا الفكرية والشعارات الدينية الأحداث السياسية لمعرفة مواقف المشاركين فيها وقدر مساهمتهم والأسباب الموضوعية التي تجعل بعض البيئات أكثر قابلية من غيرها للتغير.
ودون الدخول في جدل حول حقيقة نظرية المؤامرة وقوة تأثيرها ندعو المؤمنين بها للتساؤل:
لماذا يجد المتآمرون الأسباب الموضوعية التي تمنحهم فرصة تأجيج الكراهية ضد بعض الأنظمة في المنطقة العربية؟. لماذا لا تبادر الأنظمة، التي تعتقد أن الأعداء يحيكون لها المؤامرات لإفساد علاقتها مع الشعوب، إلى إصلاحات تسلب المتآمرين الورقة التي يلعبون بها؟. لماذا تجد المؤامرات تربة صالحة في نفوس ومشاعر الشباب العربي؟. وهل يمكن أن ينجح الأعداء والمتامرون في تأليب الشباب ضد حكامهم لو كانوا يتمتعون بحياة مستقرة كريمة؟
أسئلة تبدو منطقية للكثيرين وفيها الرد، ضمنا، على فساد الرأي القائل بأن ما جرى في مصر وتونس هو مؤامرة حاكتها جهات خارجية تهدف إلى تدمير البلدين وإدخالهما في نفق مجهول. والذين تابعوا حوارات شباب ثورة ميدان التحرير سيلاحظون أنهم غير متوترين، بسطاء، مرحون، متفائلون، لا يعبرون عن روح الكراهية تجاه أحد بل لغة التسامح هي الغالبة عليهم رغم صغر سنهم. ويتفقون على أن القاسم المشترك وراء حركتهم هو شعورهم بعدم الأمان في الحاضر وفقدان الأمل في المستقبل. قال أحدهم: بعد تأمل وجدت أن حياة الإنسان المصري تدور حول خمس مراحل: مرحلة التعليم غير الجيد، مرحلة البطالة، تطول أو تقصر، مرحلة العمل الذي لا يتجاوز دخله دائرة الكفاف، مرحلة البحث عن سكن ـ يطول الزمن أحياناً دون الحصول عليه ـ ثم الزواج والعيش في دوامة المكابدة.. وتساءل: لماذا كتب على الإنسان المصري أن يعيش في هذه الدوامة وأرضه فيها من الإمكانات البشرية والطبيعية ما يجعلها في مصاف الدول المتقدمة؟.. وحين فكر في كسر حلقة اليأس هذه قاده تفكيره إلى أن البداية الطبيعية هي "إيقاف أسباب الفساد" وأنه هدف يستحق أن يضحي من أجله.
وهنا يتساءل الإنسان: ما الذي حرك الأصوات التي (تبرعت) من خارج الساحة المصرية لتلميع "بقايا" الحكم المنهار؟ هل هي صادقة حقاً في شفقتها على مصر وشعبها واستقرارها أم يدفعها شعور خفي بتهديد مصالحها وستر عيوبها؟ لماذا سقط بعض المعلقين والكتاب من خارج مصر في "مصيدة" الإعلام الرسمي وتابعوه في تصوير هبة الشعب بأنها أعمال شغب تحركها عناصر مدسوسة ومنظمات محظورة لتحقيق أطماعها في ركوب الموجة إلى كراسي الحكم؟. لماذا صور بعض الكتاب أن ما جرى في مصر مؤامرة هدفها "الانتقام" من النظام وتحطيم إنجازاته؟. المنطق البسيط غير المعقد وتداعي الأحداث الواضحة يقول: لو كان النظام، الذي امتد ثلاثين عاماً، قد وفر لأهله ومواطنيه العيش الكريم والاحترام اللائق وفتح أمامهم فرصة المشاركة في إدارة حياتهم لما كان هناك أحد يمكن أن يقع في حبائل الخصوم أو يكون أداة لمن يعادي مكاسب الوطن. لكن النظام سلب الكثيرين حرياتهم وأفسد حياتهم رغم "اللافتات" البراقة. ودفع بالمنافقين والمرتشين والمنتفعين إلى الواجهات السياسية والإعلامية والاقتصادية فكان همهم هو الاستيلاء على ثروات الوطن وليس خدمة أهله.. هذا هو المناخ الذي عاش فيه الناس وجعلهم "مظنة" لأطماع من لديهم خصومة مع النظام.. لكن الحقيقة أن الذي هب هو الشعب المصري من تلقاء نفسه وبكل أطيافه وطبقاته وطوائفه ولا يمكن أن يكون الذي شاهدناه مؤامرة. وإذا صدقنا هذا الادعاء فنحن نهين الشعب المصري الذي نتباكى على مستقبله، حين نصوره شعباً إمعة ليس له رأي وأن قادته من الشباب والشيوخ والنساء كلهم مغرر بهم. هذه إهانة لا يستحقها المصريون ولا تاريخ مصر الرائد والمركزي في المنطقة العربية على مر التاريخ.
الذين لم يقرؤوا روح الشباب، ضللتهم مناهج التحليل المتربية في أحضان ثقافة الخوف والتسلط و"صنمية" الأنظمة وجبروتها، ولهذا وقع بعض هؤلاء في هجاء المصريين دون أن يقصدوا ذلك.. قبل 11 فبراير قال الكثيرون إنهم يراهنون على أن حال الغضب التي انفجرت بين الشباب "ستبقى غضباً في نطاق ضيق ومحدود"، "لأن الناس ستمل وتنصرف إلى حياتها وأن الإنسان المصري مشغول بالهم اليومي ولن يتطلع إلى "الغايات" الكبرى.. ما أدري كيف سينظر مثل هذا "المحلل" لنظراته بعد أن شاهد ما حدث.