كان منظراً مهيباً في وسط ميدان التحرير، والشيخ يوسف القرضاوي يلقي خطبته وسط الملايين التي احتشدت في (جمعة النصر). تساءلت عن مغزى هذا التوقيت، وأنا أطالع تلك الصورة المفعمة بالبطولة لأولئك الشباب الذين تابعناهم على مدى أسابيع، وهم مصممون على أهدافهم التي بذلوا أراوحهم من أجلها، فهل أراد الشيخ أن يمارس حقه –كإسلامي- في إضفاء (الإسلامية) على الثورة في لحظة قطاف الثمر، كما غيره من أصحاب التيارات الأخرى والأجندات الخاصة والمؤسسات والدول التي تتسابق اليوم لقطف نصيبها من الثمار التي آتت أكلها بفضل مجموعة شباب مصري حرّ، آمن بحقوقه، وطالب بها، وصبر على لأواء وأكلاف الخروج؟

بالتأكيد أن ذلك سيرورة في كل الثورات؛ أن تأتي جماعات من الخارج، بعيدة عن الثورة الأم؛ كي يهتبلوا فرص القطاف، ما جعل الكتبة المحللين والسياسيين المتخصصين يوزعون التهم في كل الاتجاهات والزوايا في حق من يحاول اختطاف ثورة (25 يناير) من هؤلاء الشباب، لدرجة أن الجيش المصري نفسه لم يسلم هو الآخر-رغم موقفه الحيادي الذي أشاد به الجميع- من تهمة الاختطاف هذه، فشن أحد المحللين السياسين هجوماً عليه –سعيد شيخ- وقال: "نتوجس من أن النظام ما زال باقياً.. وأن الذي سقط فقط رأسه بشكل مخادع..! نتوجس من خديعة أن الجيش المصري هو جيش الشعب، وفي الواقع هو جيش النظام. نتوجّس أن الجيش المصري قد خطف الثورة".

محمد حسنين هيكل، أشار –في الإندبندنت- إلى أن مندسّين سياسيين سيدخلون في اللعبة، وسيقومون في تصفية حسابات سياسية خاصة، فيما رأى لاريجاني رئيس البرلمان الإيراني أن الولايات المتحدة تحاول خطف الثورة المصرية وذلك خدمة لأجندات إسرائيل.

هنالك السلفيون المصريون، وقد باتوا يشكلون ثقلاً كبيراً لا يستهان به، فقاموا من جهتهم، بالضرب على موضوع (إسلامية مصر)، وتجد طوابير حشودهم في المنصورة والإسكندرية وشوارع كبيرة جانبية في القاهرة بعيداً عن ميدان التحرير مثل الهرم والمرج‏، وفي حلوان والمحلة والمنصورة، وعلى ذمة صحيفة (الأهرام) قاموا بتوزيع منشور يتضمن في أعلى الصفحة علم مصر مكتوب أسفله "مصر إسلامية" وعلى اليمين "هل ترضى أن تكون مصر دولة غير إسلامية؟‏".

وبرأيي الخاص أن الانضواء تحت لافتة الدولة المدنية لدولة كبيرة متعددة التيارات الفكرية، وذات إرث علماني عريض يمتد إلى قرون، وبوجود أقباط لهم نسبتهم التي لا يستهان بها، وتدعمهم الدول الغربية؛ هو الأنسب والأحكم لإخوتنا في التيارات الإسلامية على تعدد أطيافها ولمسلمي مصر عموماً في هذه اللحظة الزمانية. الدولة المدنية المستمدة كثيرا من بنودها من الشريعة؛ ستحقق كثيراً من مطالب الإسلاميين دون أن تستعدي التيارات اليسارية والحزبية والفكرية والأقباط والدول الغربية المتربصة بهذه الثورة، فيما كان النظام المصري المخلوع يلوح بورقة هؤلاء الإسلاميين لتخويف الغرب، فمن الحكمة حرق هذه الورقة وتفويت الفرصة على المتربصين بهذه الثورة وإنجازاتها، ويمكن –كما الإسلاميين الأتراك- الوصول للحكم عن طريق صناديق الانتخابات وثقة الشعب بهم، ويجب على عقلاء الإسلاميين الانتباه لمحاولات المتربصين في الضرب على وتر الطائفية البغيضة، التي هي من الممكن أن تبدد كل إنجازات ثورة الشباب، ويقلب الغرب عليهم، والكرة في ملعبهم الآن، وعليهم سدّ هذه الثغرة الكبرى التي من الممكن أن يتسلل منها المتربصون الكثر.

ولكن أين هو تنظيم القاعدة في هذه المعمعة المصرية؟ الكاتب الغربي كينيث بولاك كتب مقالة بعنوان: (هل تستطيع القاعدة خطف إنجازات الثورة المصرية؟) استشهد فيها بالحركة البلشفية، ورأى أنه "غالباً ما تُخطَف إنجازات الثورات على يد جماعات مشابهة للحركة البلشفية، وهي حركة متطرفة كانت في السابق مهمشة جداً لدرجة أنها لم تكن تطرح أي تهديد فعلي"، ويرى الكاتب أنه "يقبع نظراء الحركة البلشفية في الثورة المصرية في كهوف في باكستان، إنهم المتطرفون التابعون للجهاد الإسلامي المصري بزعامة أيمن الظواهري". شخصياً أرى أن وائل غنيم وأسماء محفوظ وبقية الشباب المصري الرائع أعطوا درساً رائعاً للأمة، ودحضوا أبجديات القاعدة القائمة على العنف، وقدموا نموذجاً خلاقاً للعالم كله، ولقادة التطرف بالخصوص، في كيفية التغيير المدني الراقي بدلاً من سفك الدماء والانقلابات الوحشية، والطعن في خاصرة أوطانهم، فأولئك البائسون الخوارج، ظلوا طوال خمسة وعشرين عاماً ينددون بالطاغوت والفرعون وقاموا بتفجيراتهم، وجلّ ما فعلوه: الترويع للآمنين، ومزيد من الدمار، والتمكين للعدو الغربي في التسلط على الأمة الإسلامية ومقدراتها، وانجحروا أخيراً في كهوف مظلمة بجبال الهندكوش، مطاردين من العالم كله.

ما فعله هؤلاء الشباب المصريون مفخرة لنا جميعاً، وهي بحق ثورة ستمتد لمناح عديدة، وعلى صعد عدة، ولربما آن الأوان لإعادة النظر في مناهج السياسة الشرعية المسطرة من قرون فارطة خلت؛ لتصاغ من جديد في ضوء هذه المستجدات التي حدثت، وعلى فقهائنا الشرعيين وجامعاتنا الشرعية التفكر ملياً في هذا الجانب.

أختم بيقيني في قدرة هؤلاء الشباب، على السير بثورتهم إلى نهايتها، وسيتنكبهم ما تنكب غيرهم تأكيداً من محاولات اختطاف، وتحييد عن الأهداف الرئيسة لهذه الثورة، إلا أنهم واعون ومدركون لأصحاب المخططات والأجندات في الدخول على ثورتهم لاختطافها، وحماية مكتسباتهم لبناء غد مشرق لمصر ولهذه الأمة.