كنتُ قد كتبتُ في هذه الصحيفة، يوم الاثنين الماضي، مقالةً بعنوان "مشكلة الإسكان.. الواقع والحلول" قدمتُ فيها مقترحاً حيال هذه المشكلة، التي باتت تقلق الكثيرين، ويتوجب التوجه نحو حلّها سريعاً.

وبعد نشر المقالة تلقيتُ العديد من الاستفسارات والاقتراحات حول مشكلة الإسكان، سأناقش أهمها في هذه المقالة.

غير أن الشيء الذي أود – في البدء- إيضاحه للقارئ الكريم هو أن فكرة مقالتي السابقة تنطلق من قاعدة توفير العرض المقابل للطلب الموجود فعلاً، وقد ارتكزتُ في فكرتي على أن مبلغ (400.000 ريال) هو القيمة التي يستطيع أصحاب الدخل من (5 آلاف ريال) فما فوق دفعها لشراء وحدة سكنية مع وجود الرهن العقاري، وهؤلاء هم الشريحة المقصودة في مقالتي، والتي تمثل الشريحة الأكبر والأهم في المملكة. كما أود أن أؤكد على أن حل مشكلة الإسكان يجب أن تتوفر فيه جميع العناصر، من حيث توافقه مع القدرة الشرائية والتصميم والموقع المناسب وإمكانية التنفيذ بالسرعة والجودة المطلوبة.

من الحلول التي طُرحت لمواجهة مشكلة الإسكان، فكرة ( تعدد الطوابق) في الأحياء السكنية، وهذه الفكرة وإن كانت جيدة وعملية، إلا أنها تتطلب وقتاً طويلاً لتنفيذها، من حيث تحديث البُنية التحتية، من شبكة كهرباء ومياه وصرف صحي، لأن الشبكات القائمة قد تم تأسيسها على أساس وحدة سكنية واحدة، ذات طابقين، تضم أُسرة بمتوسط (6) أفراد. كما تتطلب هذه الفكرة لتنفيذها إعادة تخطيط شوارع الأحياء لتصبح بعرض 25 م كي تتمكن من استيعاب الحركة المرورية، وتتطلب أيضاً إعادة تصميم مداخل ومخارج الأحياء، وهذه الأمور جميعها تحتاج وقتاً طويلاً للتنفيذ. ويمكن اعتماد هذا الحل إذا تمكنا مستقبلاً من إعادة تخطيط وتصميم البُنية التحتية للأحياء، بينما نحن الآن نبحث عن حلول سريعة وعملية.

من الحلول أيضاً لمواجهة مشكلة الإسكان، فكرة فرض زكاة على الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني في كل مدينة، وهذه فكرة جيدة وحل مقبول، لكنه يتطلب وقتاً طويلاً لدراسة الآلية، ولن تعود ثماره بشكل سريع وفعّال على المواطن الذي ظل لسنوات ينتظر تحقق حلمه في تملّك منزل!

كما أن من الحلول لمواجهة مشكلة الإسكان ما يتم تداوله الآن بشكل كبير، وما سبق وناقشه مجلس الشورى، وهو زيادة قرض الصندوق العقاري (أو تقديم ضمانات للبنوك لتتمكن من الإقراض). هذه الفكرة – من وجهة نظري- غير عملية في الوقت الحالي، لأنه من خلالها سيتم ضخ كمية طلب دون أن يكون هناك عرض مقابل، وبالتالي سترتفع الأسعار إلى مستويات عالية، وسوف نعود من حيث بدأنا، حيث ستصبح المشكلة أكثر تعقيداً وسنواجه مشكلة التضخم!

لذلك، ليس هناك حل إلا من خلال توفير أرض لا يتعدى سعر المتر فيها (100ريال) مع اعتماد كود البناء والإنتاج بالجملة لنصل لهذا الرقم، وهو ما سبق أن شرحته بالتفصيل في مقالتي السابقة.

كما أود الإيضاح بأني حينما اتخذتُ مدينة الرياض مثالاً ونموذجاً للحل، فإن ذلك يعود إلى أني على يقين بوجود العنصر الأهم في العملية، وهو الأرض، التي تبلغ مساحتها 70 مليون متر داخل النطاق العمراني للمدينة، ولم يكن هدفي من مقالي أن تُحل مشكلة الإسكان لسكان مدينة الرياض فقط! فأنا أعرف أن الحل يجب أن يشمل سكان المملكة في جميع مناطقها ومحافظاتها، خاصة المدن الكبرى. والحل قابل للتطبيق وبنفس القيمة والمواصفات في أي مدينة تتوفر فيها أرض تستوعب 15000 وحدة فما فوق.

أما من تساءل عن قيمة وتكاليف التطوير، التي وردت في مقالتي، فقد حسبتُ القيمة على أساس توفير بنية تحتية على أعلى المعايير من شوارع وشبكة مياه وصرف صحي وكهرباء وخطوط اتصال للألياف الضوئية ومساحات خضراء، ليكون حياً راقياً وذكياً.

أختم بالقول إن الحلول لمواجهة مشكلة الإسكان ذات شقين:

الأول: وهو الحل العاجل لسد العجز الموجود الآن، وهو ما يتمثل بتوفير وحدة سكنية مناسبة للمواطن بقيمة لاتتجاوز (400 ألف ريال).

الثاني: وضع الخطط لاستيعاب الطلب المستقبلي بما يعادل نسبة النمو السكاني في المملكة، وهذا المسار يجب أن نعمل لتنفيذه من الآن، من خلال فرض زكاة على الأراضي وتخطيط الأحياء على أساس تعدد الطوابق وإقرار "كود" البناء وتشجيع المطورين وتنظيم سوق العقار وإنشاء الضواحي.