مشكلة الإسكان التي نواجهها في الوقت الحاضر تعد – بالإضافة لمشكلة البطالة – من أصعب المشاكل التي تهددنا بأضرار وخيمة إذا لم نعالجها، حيث تقول الدراسات المتحفظة إن 60% من المواطنين بلا مساكن، وبعض الدراسات ترفع النسبة إلى 70%، واللافت في الأمر أننا نمر الآن بحالة وفرة مالية، وهذا مكننا من الصرف على بعض المشاريع المهمة بسخاء حيث خصصنا أربعين مليار ريال لتوسعة الحرم المكي الشريف وما يقارب ثلاثين مليار ريال لجامعة الأميرة نورة، وكذلك خصصنا مبالغ مقاربة لبعض المشاريع الأخرى كمطار الملك عبدالعزيز بجدة، والمدينة الرياضية، وغير ذلك من المشاريع الكبيرة، والمفروض أن يحظى قطاع الإسكان باهتمام مماثل أو مقارب، لكن واقع الحال أننا لم نخصص للهيئة العامة للإسكان سوى 169 مليونا فقط.

بصراحة سياساتنا تجاه مشكلة الإسكان المستفحلة لا تعطي الانطباع بأننا جادون في حلها ونوليها العناية الكافية، وسأتجاوز هذه المقارنة بين المبالغ التي خصصناها لحل مشكلة الإسكان والمبالغ التي خصصناها لبعض مشاريعنا اللافتة إلى أمر آخر يعطي الانطباع بشكل أكثر دلالة بأننا لا نضع المشكلة في حجمها الصحيح، ولن أرجع إلى الماضي لأتحدث عن وزارة الإسكان التي ألغيناها ثم بعد سنوات عديدة رجعنا فأوجدنا هيئة للإسكان تبدأ من الصفر، ولكن سأتحدث عن أمر من الحاضر، فقد كنا ندعم الإسكان بتحمل تكاليف إيصال الخدمات للمخططات، ثم أوقفنا ذلك، فأوقفنا منح تراخيص البناء لأي مخطط لا تتوفر فيه الخدمات، وجعلنا هذا من مسؤولية أصحاب المخططات، محتجين بأن أصحاب هذه المخططات عقاريون كبار ويكسبون الكثير وينبغي أن يتحملوا هذه التكلفة نيابة عن الحكومة فيخففوا العبء عنها، متجاهلين أمراً واضحاً وهو أننا بهذا لم نحمل هؤلاء العقاريين أي كلفة، بل حملناها المواطن الذي سيشتري الأراضي بعد إيصال الخدمات، لأن العقاريين ببساطة سيضيفون التكلفة لقيمة الأرض، فهم سيأخذون أرباحهم في الأخير، فإذا كانوا قد صرفوا على الأرض مبالغ إضافية بعد شرائها فسيضيفونها لسعر المتر ويحملونها المستخدم النهائي، والأمر اللافت أن الحكومة كانت تتحمل إيصال الخدمات عندما كان الدين الحكومي عالياً، وكان الدخل قليلاً، وبعد أن تحسن الدخل، وتحول الدين الحكومي إلى فائض كبير فعلنا العكس فتخلت الحكومة عن تلك الخطوة التي تعتبر من أهم سياسات دعم الإسكان وألقت بمسؤولية تكلفة إيصال الخدمات على كاهل المواطن.

هيئة الإسكان الآن بصراحة أعجز من أن تحل مشكلة الإسكان أو حتى تخفف من وطأتها، ويعود ذلك لسببين.. الأول قلة المبالغ المعتمدة لها في الميزانية، والثاني أن الأراضي الصالحة للسكن الواقعة داخل المدن أو حولها وضمن النطاق العمراني هي في الغالب مملوكة لأفراد أو شركات عقارية كبيرة، ولو ألقى المتأمل نظرة سريعة على شمال مدينة الرياض على سبيل المثال لاتضحت له فداحة المشكلة.. فالمخططات الجاهزة والأراضي البيضاء شاسعة إلى حد أنها تكاد في مساحاتها أن تكون بحجم الرياض الحالية أو ربما تزيد عليها في المساحة، ومع ذلك توجد مشكلة الإسكان وتستفحل..!

أعتقد أن الحكومة إذا أرادت حل مشكلة الإسكان فإن أمامها خيارين.. الأول أن تعود إلى سياستها السابقة وهي إيصال الخدمات للمخططات على حسابها.. وإذا كانت مازالت تصر على القول إن دعم الإسكان ينبغي أن يذهب للمحتاجين الحقيقيين فإن أمامها في تلك الحالة الخيار الثاني، وهي أن تقوم بشراء بعض تلك المخططات الجاهزة التي كانت حكومية مع الأسف في السابق ثم فرطت فيها بطريقة المنح التي يعرفها الجميع، وبعد الشراء تبني في بعضها مساكن شعبية للأكثر حاجة، وتقوم بمنح القطع في المخططات الأخرى للأقل حاجة ليقوموا ببنائها على حسابهم.

إن مشكلة الإسكان في رأيي مشكلة كبيرة قد تترك آثاراً سيئة إذا لم تعالج، خاصة بعد التراجع الكبير لدور الصندوق العقاري نتيجة للنمو السكاني الكبير وتضاعف تكاليف البناء، ولذا فالأمر يتطلب الآن من الحكومة – حسب رأيي – تغيير سياساتها.

توثيـق

1ـ تطور مشكلة الإسكان

عندما بدأ التحول الكبير في الحالة السكانية في المملكة مع الانتقال من أسلوب بيوت الطين المتلاصقة وما في حكمها إلى نظام (الفلل) تم إيجاد صندوق التنمية العقارية عام 1394هـ، وكان هذا الصندوق يؤدي دوره آنذاك، ثم بدأ دوره يتراجع بسبب النمو السكاني الكبير وعدم تطوير أساليبه وسياساته والارتفاع المتواصل في تكلفة مواد البناء، وارتفاع قيمة الأراضي، وقد استفحلت مشكلة الإسكان الآن بعد أن فقد صندوق التنمية دوره تقريباً إذ أصبح انتظار المتقدمين له يبلغ ما يقارب عشرين عاماً، وأصبح ما يقدمه لا يغطي سوى 20% من تكلفة البناء، وقد كانت هناك وزارة للإسكان ثم ألغيت وأوجدت بعد عدة سنوات هيئة الإسكان بإمكانات ضعيفة لا تمكنها من السيطرة على المشكلة أو حتى المساهمة في تخفيفها بفعالية لضعف الاعتمادات المالية المخصصة لها حيث كانت في هذا العام في حدود 169 مليون ريال فقط.

2ـ الهيئة العامة للإسكان

تم إيجادها بموجب قرار مجلس الوزراء الصادر في 28/8/1428هـ وهي تتمتع بالاستقلالية المالية والإدارية ومن أهدافها تيسير الحصول على المساكن الملائمة، ورفع نسبة المعروض من المساكن، وتشجيع مشاركة القطاع الخاص في توفير المساكن، أما مهامها فمنها إعداد الدراسات والاستراتيجيات والبحوث المتعلقة بالإسكان، واقتراح الأنظمة والسياسات الخاصة بذلك، وبهذا فهي تنشئ المساكن الخاصة بالطبقات الشعبية المحتاجة وتشجع القطاع الخاص على إيجاد المساكن للقادرين على تحمل التكلفة، وتقول الدراسات إن الحاجة كانت في عام 2010 تتطلب إقامة أكثر من مليون وحدة سكنية ومع هذا فهي لم تستطع سوى إقامة عشرة آلاف وحدة، وقد قدم المسؤولون عنها وعوداً متفائلة حيث قالوا إنهم قد استلموا أو وعدوا بـ200 مليون متر مربع في مختلف أنحاء المملكة وأنهم سيقيمون عليها ربع مليون وحدة سكنية وهذه وعود متفائلة أرجو أن تتحقق ولكن إذا علمنا أن اعتماداتها هذا العام في حدود 169 مليون ريال فقط أدركنا محدودية قدرتها.