حمدا لله على عودة خادم الحرمين، الملك عبدالله بن عبدالعزيز، للوطن سالماً غانماً معافى؛ فبعودته عادت روح الوطن لتسري فيه سالمة غانمة معافاة. يعود القادة من الملوك والرؤساء والزعماء لأوطانهم إذا غابوا عنها ليقودوها، ويسيروها ويحركوا دفة الحياة فيها، وهذه مهمتهم التي وضعت على عواتقهم. أما عودة خادم الحرمين الملك عبدالله، للوطن، فهي ليست فقط عودة القائد ليقود شعبه ويحرك عجلة تنميتهم؛ وإنما عودته هي عودة الروح لجسد الوطن. عودة روح المليك لتتعانق مع أرواح أهله وناسه، وعليه تمضي الأرواح تدير الوطن بعناق ود ومحبة، لا تديرها بالأوامر والنواهي التي تصدر من فوق ليفرض تطبيقها على التحت. فلحمة الأرواح تتجمع كقطرات ندى روحانية، لتفيض وتذرف كلحمة روحية واحدة، تعلو سماء الوطن علو سحاب خير وغيث محبة، لتجوب جميع أنحائه الديموجرافية والجغرافية، وتمطره برخاء السكون وزخات العطاء، لتكسو الأجساد صغيرها قبل كبيرها، أنثاها قبل ذكرها، قاصيها قبل دانيها، بثياب العزة والرفاه، ففي حضرة تناغم الأرواح لا فوق فيها ولا تحت لها، وإنما هيام متبادل يعلو القمم، كالنسر الحر يبحث عن الأرض اليباب ويمطرها بعطائه وسحاب خيره. حتى أصبح تعانق روح المليك بروح شعبه، إبداعا سيمفونيا، لنشيد إنساني ستتغنى به أجيالنا القادمة وتفتخر به، لتطرب له باقي شعوب الأرض، في كل أنحاء المعمورة.
هذا الحب النسقي البديع، الذي توحدت فيه روح المليك بأرواح شعبه، وروح الشعب بروح مليكها، امتزجت وتداخلت فيه روح عبدالله بأرواح بقية عباد الله من شعبه، وأصبحت روحا واحدة، فروحه غدت هي روح شعبه وروح شعبه تحولت لروحه. فهو هي وهي هو، في تداخل متناغم لا يمكن فصلها عن نفسها. حتى أصبح تعانق روح المليك بروح شعبه، توأمة سيامية، غير قابلة للفصل أو الحرف. وهكذا فتعانق الأرواح مهمة صعبة جداً، وقل أن تحدث في تاريخ القادة والشعوب، وإذا حدثت، أحدثت المعجزات البشرية التاريخية. وهي نادرة خاصة، حيث خص الله بها عباده المخلصين الصادقين بطهر ونقاء، لا رياء ولا نفاق يعتريها، لا من قريب أو من بعيد. وعبدالله هو عبدالله المخلص الصادق الطاهر النقي، بلا رياء ولا نفاق، فهو الذي يخشع قلبه، وقت الخشوع، وتذرف عينه دمعاً صافياً نقياً، في لحظات الحزن التي تخيم على محيا اليتامى والضعفاء؛ وتنفرج أساريره الصادقة والمضيئة ببسمات عفوية جذابة، عندما يقتنص أهازيج الفرح تتطاير من وجوه الناس. التوحد الخير البديع بين روح المليك وأرواح شعبه، جعل روح المليك لا ترى أمامها إلا أرواحا خيرة، ترفض سوء الظن أو الطوية بأرواح شعبه، حيث يستحيل بأن تشك روح بنفسها. ولذلك عاملها بروح الصفاء والنقاء وتعامل معها بحسن الظن والنية، وقاد الإصلاح الواثق بصلاح شعبه ونقاء روحه. فمن أتى إليه يحذره من سوء طوية أو فساد نية، قد تحدث من جراء إصلاحات الخير التي دشنها بحبه ووفائه وقادها وما زال يقودها ويرعاها، تشمئز روحه، حيث هو يثق بخيرية روح شعبه كما هو متأكد من خيرية روحه. فهو يتعوذ من كل وسواس خناس، يشك في خيرية روح الناس؛ فشعبه هو شعب عربي مسلم، أفاض الله عليه المنة في طهر المكان وكنوز الأرض والأمان، فلا يتجرأ أحد على منع خير الله لعباده المصطفين، بالمسؤوليات والواجبات، قبل المنة والأعطيات؟ إلا جاحد لخيار الله، وهو خير مختار، معترض لحكمته وهو خير الحاكمين.
ولم يأت تناغم واندماج خيريه روح المليك بخيرية أرواح أهله وناسه، من فراغ وإنما من فيض سماوي، كان السبب باختيار الله سبحانه وتعالى خالق الخلق ومدبر الكون، شعب هذا المكان، ليحمل على عاتقه أمانة أزكى وأطهر وأنقى رسالة سماوية، ختمت رسالات الله السماوية الطاهرة كلها، برغم كونه شعبا عربيا أميا معزولا وأعزل، ووضع على عاتقه مهمة، حماية ورعاية أطهر المقدسات على وجه الأرض قاطبة. إذاً فخيار عبدالله، بالوثوق بخيرية أهله وناسه، لم تأت من لا شيء، أو هو كان بدعا فيها، وإنما أتت ضمن سياق تاريخي واتساق إيماني مع خيار الله لخيرية شعب هذا البلد الأمين، الذي هو شعبه الأمين، وهو قائده وحصنه بعد الله المتين.
إذاً فعندما أطلق عبدالله منظومة إصلاحات الخير التي تبناها وقادها ومازال ينفخ فيها ويرعاها، كان واثقا بأنه يغرس بذور خير بأرض أخيار صالحة وقابلة للعطاء والنماء. وعليه فخيار الإصلاح بالنسبة لعبدالله هو خيار استراتيجي وليس تكتيكيا، والإصرار عليه وطلب المزيد منه؛ داعم الإصلاح الأول والأخير بعد الله، وحصنه الحصين، هو الإصرار عليه والتأكيد على المضي فيه وطلب المزيد منه. فالمصلح كقائد الدراجة الهوائية، لا يمكن أن يتحرك إلا بالاستمرار بقيادة الدراجة، وإذا توقف أو تباطأ في قيادتها فقد تقف وتسقط. ووقود الإصلاح هو الوثوق بخيرية المصلح وخيرية من يستهدفه الإصلاح، وهذه كلها متوفرة بعبدالله وشعبه. فروح الإصلاح هي الآن تسري في عروق الشعب التي نفخ فيها عبدالله من روحه الصادقة الطاهرة.
ولكن لكل عملية إصلاح أعداء، سواء يعادونها عن جهل أو علم، ولكن أغلبية الأغلبية، هي دوماً جنود الإصلاح المجندة، التي تستبسل في رعايته وحمايته والدفاع عنه. إن الإصلاح هي عملية خيرية، لا تقبل الطعن بها، أو مجابهتها وجها لوجه؛ ولكن أمام أعداء الإصلاح سبيل واحد للوقوف ضده، وهو التشكيك فيه. ويأتي التشكيك فيه عن طريق التشكيك في خيرية الناس في الاستفادة منه الاستفادة المطلوبة منه. ويأتي ذلك عن طريق الظن السيئ بخيرية الناس، وبأنهم لا يستحقونه، أو لن يرعوه حق رعايته، أو سيفتح أمامهم أبوابا ليسوا جديرين بدخولها، أو ما شابه ذلك من سيئ الظن ورديئه. وهذه الشكوك يجب أن تكون المحفز على المضي بالإصلاح، أكثر من أن تكون المحبطة عنه؛ وذلك لكونه يصدر من فئات مستفيدة من وضع عدم الإصلاح، وأن هكذا عقول هي من يدير وضع ما قبل الإصلاح ويستفيد منه، دون غيرهم من غالبية الناس، أو بمعنى آخر هم من يتحكمون بمصائر وأرزاق غالبية الناس، وأن الإصلاح سيعدل الوضع، ويضعهم حسب أحجامهم الطبيعية، وليس المنتفخة، بغياب الإصلاح.
إذاً فالإصلاح هو مبتغى روح عبدالله، ومطلب أرواح أهله وناسه؛ والتي اتحدت واندمجت وتناغمت في جبهة واحدة تدعم الإصلاح وتطالب بالمزيد منه، وتحميه وترعاه. فأهلاً بقدوم روح الوطن روح الإصلاح وقائده، سالماً وغانماً، في أرض مملكة الإنسانية والعطاء والازدهار والنماء، ليتربع على عروش أرواح المواطنين؛ فلكل ملك عرش، وعرش مليكنا هو أرواحنا، فتربع عليها يا عبدالله، فقد قدمت إليها أهلاً ووطئت عليها سهلاً.