من المفارقات المدهشة التي نشاهدها بشكل مستمر في الوسط الثقافي المحلي، الإصرار الواضح من قبل الجهات الرسمية وفي مقدمتها وزارة الثقافة والإعلام على تهميش دور جمعية الثقافة والفنون، وعدم الالتفات لها لا في جانب التنظيمات الإدارية ولا الدعم المادي، بعكس ما يحدث لـ"الشقيقة الكبرى" الأندية الأدبية!.
فبعد معركة لوائح الأندية التي لم تصل إلى نهاية واضحة حتى الآن، توقع البعض أن يكون هناك مجرد التفاتة لفروع الجمعية، التي تعاني كثيرا سواء في الجوانب المالية أو الإدارية. ففي الجانب المالي لا يمكن أن يصدق شخص في هذا الزمن ـ الذي لا يتحدث فيه أحد إلا بالملايين ـ أن ميزانية الأنشطة في عام كامل لا تتجاوز ما يقارب 200 ألف ريال، لمست الإحباط الذي يعانيه القائمون على الجمعيات من الضعف الشديد للميزانية وبالتالي تحولت بعض أنشطتها إلى ورقية، فقد توضع قائمة طويلة عريضة بأنشطة مقترحة للعام الواحد، ولا يستطيع الفرع إنجاز إلا النزر اليسير منها.
في الوقت الذي تتحدث فيه الأندية عن استثمار الدعم الملكي لها بمبلغ 10 ملايين ريال لبناء مقرات حديثة وربما نشاطات نوعية، أجزم أن لا أحد من القائمين على فروع الجمعية يحلم ـ مجرد حلم ـ بمقر خاص، بل الهم الأول هو كيف يمكن توزيع ذلك المبلغ الزهيد جدا على أي نشاط كان، وليس النشاط النوعي.
المفارقة هنا أن الأنشطة التي تقوم عليها فروع الجمعية مثل المسرح والتشكيل والتصوير الضوئي والفنون الشعبية ـ ومن المفترض السينما ـ هي أنشطة عصرية بكل معنى الكلمة، تحظى بقاعدة اهتمام كبيرة بين الشبان، بعكس الشعر والقصة التي تقوم عليها الأندية الأدبية، حيث إن هناك ندرة وشح كبيرين في المواهب الحقيقية في هذين الفنين الأدبيين، وعدم تحمس الجيل الحالي لهما الذي هو جيل الصورة بكل تجرد، ومع ذلك لا تدعم الجمعيات ماليا ولا يلاحظ أن هناك توجها واضحا لذلك.
قد يقول أحدهم إن هذه الفنون من مهمات الجمعيات الفنية المتخصصة مثل جمعية المسرحيين والضوئيين والتشكيليين.. وأقول وهل تلك الجمعيات لديها هي الأخرى أي مصدر مالي؟. وإذا كان كذلك فلماذا لا تغلق فروع جمعية الثقافة والفنون نهائيا، ويتم توجيه جميع نشاطاتها ومملكاتها للجمعيات المنتخبة؟ ولماذا هذه الازدواجية غير المفهومة؟.
شخصيا، لدي شعور خاص أن هناك من يحارب بشدة لدفن الفنون بدلا من تشجيعها ربما لقناعة شخصية أو توجه فكري لا يحبذها، ولكن لا يجرؤ على التصريح بالأمر علنا، ولذلك يعمل بكل الطرق على إبعادها عن أي نظرة إصلاح، حتى تموت في مهدها "الذي ما زالت فيه منذ 37 عاما".