يقال إنه لا يكفي أن يقرأ الإنسان بلغة واحدة، حتى لو كانت ترجمات جيدة، بل لا بد من الرجوع إلى الينابيع وبلغتها، هذا لمن أنعم الله عليه فأتقن لغة أو اثنتين بجانب لغته الأم.

وفي عائلتي النووية عندنا لا يقل عن أربع إلى خمس لغات نتخاطب بها، مع قاعدة اللغة العربية، فأنا أقرأ الكثير من المواد باللغة الألمانية بشغف، ويصلني العديد من المجلات باللغة الجرمانية؛ فيفتحون عيني على أمور مغيبة في ثقافتنا، وتصلني مجلة الشبيجل الألمانية كل أسبوع وهي بسماكة 300 صفحة، وتغطي عشرات الأبحاث المعرفية، وتكلفني أكثر من 400 يورو سنويا، ولكنني لا أبخل في العلم، وتحدثت مع الكثيرين عن ترجمة الأبحاث الهامة منها ولكن ليس من صدى ورد ومقالتي هذه تحريض جديد لهذا الموضوع عسى أن يسمع أحد فنقوم بهذا المشروع الرائد فليس من ترجمة لها في ميدان اللغة العربية على الرغم من دقة أبحاثها وكثافة ودسامة مواضيعها!.

وعندي بناتي يعرفن فضلا عن ذلك الإنجليزية بطلاقة تشبه طلاقة اللغة الأم، بجانب اللغتين الفرنسية والشركسية لغة أمهن فيكون المجموع خمس لغات.

ومهمة إتقان اللسان الأجنبي مهمة شاقة كما نرى لمن لا يعيش في وسط مشجع ومنطوق، خاصة من تعلمها على كبر، ويقال إن ليفي شتراوس عالم الأنثروبولوجيا تعلم اليابانية وهو ابن الثمانين، وأن محمد عبده تعلم الفرنسية وهو ابن الخمسين فلا ضير ولا عيب لأن الدماغ الإنساني يستطيع ذلك، ودماغنا مزود بطاقة لا نهائية.

فمن أكرمه الله بمعرفة لغة قوم أمن شرهم كما يقول المثل! ومن عرف لغة إضافية فعليه بالنهل من الثقافة الأجنبية، لأن المعرفة تنتج هناك، خاصة باللغة الإنجليزية بل حتى لغة الماندرين!

ونحن توقفنا منذ عصر المماليك الشراكسة أيام سعيد جقمق، كما أرخ بذلك لهذه النهاية ابن خلدون من الانطفاء الكامل والخسوف الكلي، أو ابن الخطيب في شعره: كنا عظاما فصرنا عظاما!

ويذهب مالك بن نبي في كتابه (وجهة العالم الإسلامي) إلى تفسير رائع في جدوى معركة أنقرة عام 1402 تلك التي وضعت حدا للاندفاع العثماني لاحتلال أوروبا بسيف تيمورلنك وكانت كلا القوتين إسلاميتان!

وأهمية تعلم اللغة الأجنبية أو قراءة الترجمات أن هناك الكثير من الخير من الأبحاث فضلا عن الطازج منها، واعترف للقارئ أن كميات المعلومات التي تأتيني كل يوم شيء هائل لا أستطيع أن أجاريه نقلا فاختار من المواضيع الشيء العلمي الهام كما أتنقل بين حقول جديدة عسى أن اجتمع بمعلومة جديدة.. وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تُسألون.