تبقى ثقافة التغيير أهم الأسس الفكرية والتربوية التي نطمح إلى غرسها تربويا لدى الأجيال القادمة، أو ربما كان هذا هو الهدف في تحقيق العملية التربوية من أساسها، لتكون لدينا أجيال قادرة على صياغة ثقافتها الخاصة، ولتصبح أجيالا قادرة على تحقيق التغيير في حياتها وحياة الآخرين إلى الأفضل، وتخلق عالماً إبداعياً يوازي تطلعاتنا وتطلعاتهم للمستقبل القريب والبعيد في حياتهم، ومن هنا تصبح ثقافة التغيير أهم القضايا التربوية التي كان على كل المؤسسات التربوية الثقافة العمل عليها.

وحينما نتحدث عن ثقافة التغيير، فإننا نتحدث عن الوعي بهذا التغيير. نتحدث عن مدى استيعابنا لمتغيرات الحياة المحيطة من حولنا. عن نوعية البنى الفكرية والتربوية التي تعي الحاضر لبناء المستقبل. بناء لا يعني ثباته بقدر حركته المستمرة. نعني فيه الرؤية التي من خلالها يمكن النهوض إلى صناعة مستقبل يوازي ما نأمل فيه من صدارة.

هذه الرؤية لا يمكن لها أن تكون في حالة الجمود الفكري أو الثقافي لدى الأجيال، وإنما تعني الحركة الآخذة في الصعود، حتى وإن كان هذا الصعود على خلاف ما اعتدناه من نظريات فكرية أو تربوية أو حتى أخلاقية، لأن كل جيل ثقافي أو تربوي له تطلعاته الخاصة، والتي دائما ما تتسق مع تغيرات العصر وتواكب ما تم إنجازه من تقدم في كل بقاع العالم.

أقول هذا الكلام من الناحية النظرية، لكن حينما نلتفت إلى الواقع التربوي والثقافي فإننا لا نجد أقل القليل. بل إننا نحس بحجم واتساع الهوّة الثقافية والتربوية بين أجيال اليوم وأجيال الأمس القريب. الصدمة كبيرة في واقعنا التربوي، والصدمة أكبر في واقعنا الثقافي، والأجيال الطالعة تحس أن بينها وبين ما قبلها من أجيال مسافات ضوئية يخلقها عالم اليوم بكل منجزاته التقنية الحديثة.

ما ساقني إلى هذا الحديث من الناحيتين: النظرية المثالية والممارسة الصادمة بتراجعها، هي صورة نبهتني لها الدكتورة لمياء باعشن في صحيفة عكاظ في الأيام الأولى من الفصل الدراسي الثاني لهذا العام، أي قبل ثلاثة أسابيع فقط. الصورة عبارة عن لقطة صغيرة من داخل مدرسة في تحقيق عن الواقع التعليمي والتربوي في الكثير من مدارسنا خلال الأسبوع الأول. الصورة كالتالي: مجموعة من الأطفال يتزاحمون بشكل خطير خلف نافذة لمقصف المدرسة من غير أي تنظيم لهؤلاء الطلاب الصغار الذين تحكي لمحات وجوههم عن حكاية يومية يعانون منها وقت الفسحة حينما يريدون تناول إفطارهم الصباحي. طبعا ما دون هؤلاء الأطفال من داخل المقصف سياج حديدي مقسم إلى مربعات متساوية أوحت لي لحظة رؤيتها أننا في سجن وليس في مقصف مدرسي. الأطفال تتداخل أيديهم ووجوههم من بين مربعات هذا السياج الحديدي بشكل غير مرتب وفوضوية عارمة تنم عن وضع مزمن في الفوضوية تحكي مأساة الأطفال اليومية، وكأنهم مع موعدٍ للعراك اليومي فيما بينهم من أجل قطعة فطيرة أو بسكويت أو عصير يوفره هذا المقصف. الصورة ألغيت في الطبعات التالية للطبعة الأولى في نفس اليوم لسبب لا نعرفه.

الصورة لها الكثير من الدلالات التي يمكن أن نستخلصها من أول نظرة.. واضح أن الواقع التربوي من خلال هذه الصورة في فوضوية وتخبط كبيرين، ولا مبالاة أيضا بصحة هؤلاء الطلاب.

النظام غائب تماماً عن هؤلاء التلاميذ، ومن الواضح أنهم لم يتعلموه لسبب بسيط، وهو أن القائمين على هؤلاء الطلاب في المدرسة لم يكلفوا أنفسهم جهد العناء في ترتيب الطلاب وتعويدهم على هذا النظام السلوكي البسيط ليقيهم مخاطر العراك على إفطارهم الصباحي. سياج الحديد دون الطلاب، أو النافذة ـ لا فرق ـ توحي بأننا داخل مبان تربوية لا تنتمي إلى واقع تعليمي حديث. هي أقرب لأشكال السجون منها إلى صروح تربوية. من يتخيل طفله في مثل هذا الوضع فلن يرضى مطلقا عن هذه الحال. السؤال: ما مدى اتساع مثل هذه الصورة في حياتنا اليومية خارج المواقع التربوية؟ الإجابة يمكن أن نستنتجها من هذه الصورة. إذا كان واقعنا التربوي واقعا لا صلة له بتقويم سلوك الطلاب داخل المدارس، فإنه لن يكون بأحسن حالا منها في الخارج. حينما نوسع الدائرة قليلا لنرى كافة القطاعات والمستويات، فإن الفوضوية وعدم الالتزام بالأنظمة، والفساد، والمحسوبيات بين العديد من المسؤولين فيما بينهم يضعنا في تساؤل عن مدى التغيير في ثقافتنا وثقافة أبنائنا؟

ثقافة التغيير ليست ثقافة عابرة، وليست طوباوية، أو أفكاراً ليس لها تمثل في الحياة اليومية، وإنما ثقافة تتأصل بحجم وعي الإنسان بمدى مشكلته مع واقع خاطئ في كل نواحيه.

المؤثر الثقافي والمؤثر التربوي من أهم المؤثرات في تغيير الأوضاع في كل المجتمعات. يأتي الواقع المادي ليعزز من تقدم الدول أو تخلفها فيؤثر ذلك على مجمل حراكنا اليومي، وعلى حياتنا الثقافية. الأجيال الجديدة الصاعدة كان العامل المادي هو المؤثر على تغيّرهم الثقافي، إذ إن اتصالهم بالعالم من خلال تقنيات الاتصال الحديث أعطاهم بعداً لا يجدونه في حياتهم اليومية، ولا في معاقلهم التربوية، لذلك فهناك هوّة واسعة بين ما تطمح إلى وصوله هذه الأجيال الصاعدة والقيم التربوية التي يحاول أن يؤطرها لهم القائمون عليهم في المؤسسات التربوية، أو القائمون على العلميات التربوية برمتها من نظام تربوي وثقافي كامل. كانت صورة الأطفال أمام نافذة المقصف المدرسي الحديدية إحدى التجليات الواضحة لأزمة الواقع المعاش.

الوعي بالواقع جزء من الوعي بثقافة التغيير، ويبدو أن إحدى مشكلات الواقع هو العمل التربوي. الآن نحن أمام مفترق طرق فإما أن نصلح من واقعنا بكل مؤسساته: التربوية منها والثقافية والقضائية والتشريعية وغيرها، وإلا فإن الأجيال الجديدة سوف تكتسح وعينا الثقافي المتباطئ وتعيد ترتيب فوضانا.