هل دراسة علوم المستقبل لا تزال من الدراسات التي يقل الاهتمام بها في الثقافة العربية المعاصرة؟ سؤال طرحه مفكر عربي على اعتبار أن إرادة التغيير لا يمكن أن تتحقق إلا لدى جمهور واع بامتلاكه المستقبل، وبالتالي قادر على استيعاب وتمثل قيم التغيير، وأدواته كالعقلانية والتفكير العلمي، والعقلية المرتبة التي تستند على المعرفة والمعلوماتية، وقد أجاب على ذلك السؤال الضخم الدكتور أحمد أبو زيد كواحد من المهمومين بمصير الإنسان العربي حيث أثار الانتباه إلى الأوضاع المتردية التي يعيش فيها المجتمع العربي ودعوته إلى الالتفات إلى الواقع بنظرة علمية موضوعية تقفز فوق الحاضر بأوضاعه البائسة وتتطلع إلى المستقبل فالتغير ظاهرة عامة ملازمة لتاريخ الجنس البشري والحضارة الإنسانية، وخاصية من أهم خصائص الحياة بمختلف صورها وأشكالها، ولكنه كما يقول الدكتور أبو زيد يزداد اتساعا وتسارعاً في الوقت الحالي نتيجة للتقدم العلمي الهائل في شتى الميادين وبوجه أخص في علوم الحياة وعلوم الفضاء، وما ارتبط بذلك التقدم من مستجدات تكنولوجية مذهلة هدمت حواجز المكان وقضت على فوارق الزمان، وساعدت على ازدياد الحراك السكاني والفكري، والتبادل الثقافي بين الشعوب، والتدفق المعلوماتي مع الآخرين، على الرغم من الميل الجارف لدى الكثيرين لإلحاق كل المساوئ التي أصابت وتصيب الأوضاع العلمية العربية إلى التأثيرات الخارجية التي تتهم دائماً بأنها تضع العراقيل عمداً أمام أي جهود تبذل من أجل تطوير السياسات الخاصة بالبحث العلمي ونشر الثقافة العلمية وتطويرالتفكير العلمي السليم بين الشعوب العربية حتى تظل هذه الشعوب في حالة التأخر والتخلف والضعف التي تساعد على استمرار خضوعها للهيمنة الغربية. وقد لعب الاستعمار في ذلك دوراً ملحوظاً بغير شك حين فرض قيوداً شديدة على حرية تداول المعلومات وانتشارها بين دول العالم الثالث المتخلف، واحتكار عمليات إجراء البحوث العلمية بفضل قدراته المالية الهائلة والاحتفاظ بنتائجها لنفسه. ويؤكد الدكتور أبو زيد أن ذلك قد لا ينطبق تماماً على العالم العربي لو نظرنا إليه كوحدة عضوية متكاملة، إذ توجد فيه وفرة في الموارد البشرية ذات الخبرة العلمية إلى جانب توافر القدرة على التمويل مما يكفل له إمكان اللحاق بعصر العلم وإجراء بحوث علمية رائدة في المجالات ذات الصلة الوثيقة بحياة شعوبه ومستقبلهم فليس من الضروري بحال أن تدور كل البحوث العلمية حول غزو الفضاء ومشكلات الاستنساخ وما إلى ذلك من بحوث لا تتصل اتصالاً مباشراً بحياة الإنسان العربي. ويجزم الدكتور أبو زيد بأنه لن يتم قيام مجتمع علمي عربي تسود فيه ثقافة علمية حديثة ومتطورة إلا بتغيير جذري في أساليب التفكير وأنماط الحياة وأنساق القيم وطرائق التعامل مع وقائع الحياة وأن يصبح التفكير العلمي ثقافة سائدة في المجتمع العربي.