من فترة لأخرى، يعود موضوع ارتباط الريال السعودي بالدولار الأميركي إلى واجهة المطالب الشعبية. فجموع من المواطنين، وخصوصا ذوي الدخل المحدود من الطبقة الوسطى، يرون ضرورة أن تتضمن حزمة الحوافز التي اعتمدتها الحكومة بمناسبة عودة خادم الحرمين من رحلته العلاجية أن يتم تعديل سعر صرف الريال أمام الدولار. وترتكز وجهة نظرهم على أن فوائد هذه الخطوة ستلمس كافة سكان السعودية عن طريق تخفيض تكاليف السلع الأساسية المستوردة وبالتالي تخفيض معدل التضخم. وبالنسبة للمستهلك، تعتبر وجهة النظر هذه منطقية وواقعية في نتائجها وفعالياتها، ولكن بالنظر إلى كافة التبعات الاقتصادية لمثل هذا التعديل، نجد أن تعديل سعر الصرف لن يخدم التوجهات الاقتصادية للدولة.

ويتعدى ضرر تعديل سعر الصرف التكاليف المباشرة اللازمة للوصول إلى سعر الصرف الجديد. فحتى يتم تحقيق القوة الشرائية الجديدة للريال، يلزم المملكة رفع احيتاطياتها من النقد الأجنبي لنفس كمية السيولة المتوفرة، وبالتالي ستنخفض كمية الاحيتاطيات المتوفرة للاستخدام وقت الحاجة لزيادة الإنفاق الحكومي، مثل الخطة التحفيزية التي بدأ العمل بها إثر الأزمة الاقتصادية العالمية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن التعديل سيؤثر بشكل سلبي على مصروفات موازنة المملكة والعجز فيها. ولكن كل هذه الآثار المباشرة يمكن تمويلها من الارتفاعات الحاصلة في أسعار النفط والمستمرة يوما بعد يوم. فقد أظهرت التقارير علامات قوية تشير إلى تعافي الاقتصاد العالمي وعودة النمو في الطلب على النفط، خصوصا في آسيا.

وتكمن المشكلة الرئيسة لهذا التعديل في أثرها السلبي على الصناعة السعودية وصادراتها. فهي تخفض من قدرة الاقتصاد السعودي على التنويع في مصادر الدخل وتبقيه معتمدا بشكل رئيس على تصدير المواد الخام كما حدث مع هولندا عند اكتشاف الغاز الطبيعي فيها. وبذلك، فإن أي رفع لقيمة الريال سيزيد من تكلفة المنتجات النهائية ويجعلها أقل تنافسية في الأسواق العالمية، وستكون صناعة البتروكيماويات السعودية أكبر المتضررين وستفقد مكانتها على رأس هذه الصناعة على مستوى العالم. وعلاوة على ذلك، ستنخفض تكلفة السلع المستوردة، الأمر الذي سيزيد من صعوبة تأسيس صناعة استهلاكية محلية قادرة على منافسة المنتجات العالمية الرخيصة.

إن ما علينا القيام به هو الاستفادة من هذه الميزة المتاحة لنا، والتي تحاول دول أخرى مثل الصين جاهدة الحفاظ عليها عن طريق تنمية الصناعة، تصديرية كانت أو محلية. أما فيما يخص الارتفاعات في أسعار السلع والخدمات التي يعاني منها المواطن، فلابد أن تتضمن حزمة الإصلاحات وضع استراتيجية وتشكيل هيئات تنفيذية مختصة بمكافحة التضخم بشكل جدي. فالمؤسسات القائمة حاليا اختزلت دورها في مراقبة التضخم وتحليله والتعليق عليه فقط.