من يرى الجموع الكبيرة والتزاحم المثير للاهتمام في معرض الرياض الدولي للكتاب، ثم يسمع في ذات الوقت قول أحد المنظمين: إن المعرض يكلف أكثر من 16 مليون ريال، يعود على الوزارة منها حوالي 4 ملايين ريال فقط، يتساءل: لماذا لم يسوق المعرض بشكل صحيح لضمان رعايته من قبل شركات محلية، لا تترد في رعاية مناسبات أقل حضورا جماهيريا وإعلاميا، وتدفع في سبيل ذلك عشرات الملايين من الريالات؟

فمن الواضح أن الخلل يكمن في التفكير الإداري التقليدي شديد البيروقراطية الذي ما زالت وزارة الثقافة والإعلام تعمل به في كثير من نشاطاتها. فقد نقدر مساءلة عدم قدرة الوزارة أو غيرها من المؤسسات الثقافية التابعة لها، على جلب رعاية تجارية للكثير من النشاطات النخبوية أو النوعية التي لا يحضرها إلا عدد محدود جدا من المهتمين، ولكن أن تفشل ـ إن كانت حاولت أصلا ـ في الحصول على عائد مالي بدلا من أن تدفع من ميزانيتها على المعرض، فهذا أمر مثير للتساؤل والاستغراب في آن واحد؟

ففي إحصائية صرح بها أحد كبار مسؤولي الوزارة العام المنصرم، ذكر أن المعرض استقطب أكثر من مليوني زائر دفعوا أكثر من 30 مليون ريال ، وهي بلا شك أرقام يسيل لها لعاب أي شركة في المملكة.

شخصيا، سألت عضوا في اللجنة المنظمة عن هذا الأمر، فقال بكل تجرد: مشكلتنا في الجمود الإداري والعقلية الإدارية التقليدية التي ما زالت تدار بها أمور الصرف المالي والتسويق للنشاطات.

وأضاف: هل تصدق أن فكرة الرعاية طرحت في الأعوام السابقة على القائمين على المعرض، فرفضوا بحجة أنه قد يكون لها جانب سلبي من خلال الشروط التي ستفرضها الشركات على الوزارة!

وأقول هنا عن أي شروط تتحدثون؟ أعرف شخصيا مهرجانات تسوق تجارية بحتة ترعاها بشكل كامل وتغطي تكاليفها شركات كبرى خصوصا في مجال الاتصالات، ليس للراعي أي حق في التدخل في أي شأن تنظيمي لا من قريب ولا من بعيد، بل كل ما له شعارات وملصقات دعائية وعروض بيع فقط لا غير، وهي في النهاية مهرجانات للتسوق والتجارة ـ ولا ضير أن تكون للراعي شروطه التنظيمية في مثل هذه المهرجانات ـ فما بالك بوزارة ترعى الثقافة ؟ فهل يتوقع أحدهم أن تقول الشركة الراعية "شرطي أن تفسحوا الكتاب الفلاني وتمنعوا الآخر؟"

باختصار من الواضح أن كثيرا من مشكلاتنا التنموية في الثقافة وغيرها، مشكلات إدارية فقط، وقد حان الوقت لتجديد الدماء.