"زنقة الستات" أحد أشهر وأقدم أسواق تجارة الجملة والتجزئة للمستلزمات النسائية في العالم، لكونه يحتوي على أول محكمة إقليمية لفض المنازعات التجارية، والمعروفة باسم "البيت الأبيض".
يقع هذا السوق، الذي لا يزيد طوله عن 350 مترا، في مدينة الإسكندرية بمصر وتحيط به الأسواق القديمة، التي منها سوق "الصاغة" الشهير، وسوق "الخيط" الذي اشتهر ببيع أفضل أنواع الأقمشة والمنسوجات القطنية المصرية.
في أوائل القرن الماضي كان سوق "زنقة الستات" يسمى بسوق "المغاربة"، لكونه المركز المميز لتجار المغرب العربي عامة وليبيا خاصة، وذلك لقناعتهم بأن تجارالإسكندرية هم أفضل من يشاطرهم مهنة التجارة العالمية. ولقد اشتهر هذا السوق أيضاً بالثنائي الإجرامي المصري المرح "ريا وسكينة"، حيث اتخذتا من "زنقاته" الضيقة مركزاً لاستدراج "الستات" الضحايا وسرقتهن ثم قتلهن.
على مشارف العاصمة الليبية "طرابلس"التقى عقيد "الجماهيرية" في أوائل الثمانينيات بوفد من "دكاترة" الجامعات العربية. لدى ترحيبه بأعضاء الوفد في خيمته الزاهية ومحاطاً بمجموعة من "الستات" القائمات على حمايته الشخصية، أبدى العقيد دهشته واستغرابه من عدد "الدكاترة" القادمين لمصافحته. تجاوز العقيد "زنقة الستات" وسأل ساخراً: "ألا يوجد في بلادكم من لا يحمل الدكتوراة؟". فأجابه رئيس الوفد مازحاً: "نعم، هنالك الطلبة والطالبات". قبل سماعه الإجابة، استدارالعقيد متفاخراً: "في الجماهيرية لدينا آلاف الدكاترة...في كل بلدة، وكل بيت، وكل زنقة".
جاء هذا اللقاء قبل انعقاد المؤتمرالاقتصادي العربي في مدينة الإسكندرية بمصر، لمناقشة استراتيجية الرؤية المستقبلية للاقتصاد العربي، في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم في ذلك الوقت. وفي قاعة المحاضرات الكبرى، استمعنا إلى العروض التنظيرية الشيقة التي قدمها "دكاترة" العقيد عن تطلعات زعيمهم ورؤيته المستقبلية.
بعد ثلاثة أيام طويلة، تحدثوا فيها عن نجاحاتهم الباهرة في تشكيل اللجان الشعبية، أكد "دكاترة" الجماهيرية العظمى أن قدراتهم على تطوير قطاعاتهم الإنتاجية وإثراء اقتصادهم المحلي، وقضائهم على الفقر والبطالة كان نتيجة حتمية لمعجزات العقيد الخلاّقة، ويتوجب على جميع البلدان العربية أن تحتذي بها.
تزامن هذا المؤتمر مع جولة "أروجواي" للمفاوضات التجارية الشاملة التي كانت في أوجها، لتعلن 117 دولة لاحقاً عن توصلها لاتفاق إنشاء منظمة التجارة العالمية. سخر "دكاترة" العقيد من رياح العولمة التي هبت في ذلك اليوم المتزامن مع تاريخ المؤتمرالعربي، وتهكموا بنتائجها وضعف تأثيرها على مسيرة "الجماهيرية" واستراتيجياتها المستقبلية. بل ذهب بعضهم إلى كيل الاتهامات جزافاً للدول العربية التي انساقت وراء تيارات العولمة وخضعت لأحكامها الجائرة.
احتد النقاش بمداخلة ساخنة من زعيم "دكاترة" العقيد موجهاً حديثه إلى الوفود الخليجية، مستغرباً هرولة الدول النفطية نحو الانضمام إليها، ومدعيّاً بكل ما يملك من ثقة عمياء أن العولمة ستصبح "زنقة" حتمية لمناصريها، لكونها استثنت النفط ومشتقاته من اتفاقاتها وأحكامها.
كما تنتهي إليه باقي المؤتمرات العربية، انتهى هذا المؤتمر بصياغة لائحة من التوصيات وقائمة من التمنيات الخالية من اللآليات التنفيذية، فلم تصدرالاستراتيجية الاقتصادية العربية لهذه اللحظة ولم تر أحلامها النور.
قبل العودة لبلادهم، توجه "دكاترة" الجماهيرية في زيارة ميدانية إلى سوق "زنقة الستات" لشراء الهدايا التذكارية، ليكتشفوا أن منتجات "الجماهيرية"، التي كانت تملأ المتاجر، فقدت مكانتها في أحد أهم أسواق العولمة التجارية.
في ذلك الوقت كان دخل "الجماهيرية" من النفط يعادل 95% من إجمالي الدخل، بينما فاقت البطالة نسبة 30% وتفاقم الجهل بمعدل 22% بين أبناء الشعب الجماهيري، واستشرى الفقر المدقع بأكثر من 12% من السكان الذي لا يزيد عددهم عن 6 ملايين نسمة.
بعد ربع قرن من تاريخ المؤتمر، تفاجئنا "الجماهيرية" اليوم بأن معدلات البطالة والفقر والجهل ما زالت تعاني من "زنقة" مضطردة، علماً بأن دخلها من النفط تضاعف 12 مرة بسبب ارتفاع أسعاره في الأسواق العالمية.
اليوم هوت مراتب "الجماهيرية" في المؤشرات العالمية إلى أدنى مستوياتها. من ضمن 193 دولة، تراجعت "الجماهيرية" إلى المرتبة 56 في تنمية الموارد البشرية، والمرتبة 61 في تنمية الموارد المائية، والمرتبة 88 في عدد الأطباء لكل 1000 نسمة، والمرتبة 177 في مبالغ الصرف على التعليم كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما صعدت للمرتبة 3 في جرائم الحرب، والمرتبة 4 بين دول العالم في حوادث الطرق القاتلة، والمرتبة 75 في مؤشر حرية الصحافة، والمرتبة 96 في تعاطي شعبها للمخدرات وحبوب "الهلوسة".
مرّت السنوات لنلتقي صدفة بزعيم "دكاترة" العقيد الذي أصبح وزيراً للتجارة في الجماهيرية العظمى ومشرفاً على انضمام بلاده لمنظمة التجارة العالمية، وذلك خلال احتفالنا في هونغ كونغ بانضمام المملكة للمنظمة بتاريخ 11 ديسمبر2005م.
بادر الوزير بتهنئة وفدنا السعودي وحثنا بعبارات حارة على ضرورة دعم مساعي بلاده في الانضمام للمنظمة. وأوضح لنا منزعجاً أن "دكاترة" العقيد يعانون الأمرين من "زنقة" العقبات الكثيرة و"زنقات" المتطلبات المتفاقمة لاستحقاقات العضوية نتيجة تأخرهم في الانضمام المبكر، وفقدانهم للعديد من الفرص الذهبية بسبب مواقفهم السابقة العنيدة تجاه العولمة.
لم يتذكر الوزير"الجماهيري" موقفه المناهض للعولمة عندما ترأس وفد "دكاترة" العقيد قبل ربع قرن في المؤتمرالعربي بالإسكندرية، ولعله أيضاً لا يتذكر حسرته على انقطاع منتجات بلاده، التي فقدت بريقها العالمي في سوق "زنقة الستات" الإسكندراني، بسبب انكفائها على نفسها ووحدتها في عصر العولمة.