حذّر آلان دنكان، وزير الدولة البريطاني لشؤون التنمية الدولية، يوم الجمعة من أن الاضطرابات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار البترول إلى 250 دولاراً للبرميل. وقد أفردت صحيفة التايمز اللندنية في ذلك اليوم صفحتها الأولى لهذا التصريح، نظراً إلى أن دنكان ذو خبرة طويلة في أسواق النفط. فقبل توليه منصبه الحالي في الحكومة البريطانية العام الماضي، كان آلان دنكان خبيراً نفطياً متخصصاً، وفي منطقة الخليج، بنحو خاص، ولهذا أعطت التايمز تصريحاته ذلك الوزن الذي أشرتُ إليه.

ومع أنه من الواضح أن احتمالات وصول النفط إلى مستوى (250) دولارا ما زالت بعيدة، إلا أن من المؤكد أن الأسعار قد بدأت بالارتفاع المتسارع منذ 17 ديسمبر الماضي، وهو تاريخ بداية أحداث تونس، حين كان سعر البترول نحو 84 دولاراً للبرميل (سعر برنت)، في حين بلغ (119) دولارا للبرميل في الأسبوع الماضي (برنت)، أي بزيادة 42% خلال أقل من ثلاثة أشهر.

وقبل أزمة ليبيا، كان القلق بشأن أحداث المنطقة، وليس نقص الإمدادات، هو ما أدى إلى زيادة ملحوظة في أسعار النفط، أي أن العوامل النفسية والتخوف من المستقبل هي التي كانت ترفع الأسعار، أما بعد أن استفحلت الأزمة في ليبيا، وهي منتج رئيس للبترول، تصدر نحو (1.5) مليون برميل يومياً، فإن المشكلة أخذت أبعاداً أخرى، ولم تعد مجرّد قضية نفسية. فصادرات ليبيا من البترول قد توقفت تقريباً، مما يعني أن الدول التي كانت معتمدة على النفط الليبي (إيطاليا مثلاً) قد اضطرت إلى أن تبحث عن موارد أخرى، أي أن هناك قلقاً عقلانياً بشأن استمرار إمدادات البترول، على الرغم من توفر بدائل للإمدادات الليبية في السوق اليوم.

وبسبب التخوف من استمرار انقطاع النفط الليبي، ارتفع سعر البترول منذ بدء الأزمة فيها (في 17 فبراير) بأكثر من 15% ، وما زال في مسار تصاعدي، ومع أنه ليس من المتوقع، في المستقبل القريب، أن تصل أسعار البترول إلى مستوى (250) دولاراً، كما قال دنكان، أو أي سعر قريب من ذلك، إلا أنه ليس مستحيلاً. فماذا يعني لو بلغت أسعار البترول ذلك المستوى؟ هل من مصلحتنا كدول منتجة أن تصل الأسعار إلى ذلك المستوى؟ هنا تختلف وجهات النظر.

فالجميع يتفق على أنه في المدى القصير ستستفيد الدول المنتجة للنفط من ارتفاع أسعار النفط. فلو بلغت تلك الأسعار (250) دولاراً، فإن الدول المنتجة للنفط ستحقق دخلاً يتجاوز (8) تريليونات دولار سنوياً، حصة المملكة العربية السعودية منها، مثلاً، ستتجاوز (775) مليار دولار في السنة، أو حوالي ثلاثة تريليونات ريال، وهذه أخبار سارة، إذ إن ذلك يعني أربعة أضعاف الدخل الفعلي للمملكة من النفط في عام 2010. ولك أن تتخيل ما يمكن عمله بثلاثة تريليونات!

غني عن القول أن دنكان لم يصرح تصريحه الذي أشرتُ إليه لكي ينقل البُشرى إلى دول النفط بأن دخلها سيتضاعف أربع مرات، بل كان يحذر من إمكانية انهيار الانتعاش الاقتصادي العالمي الذي بدأ في الدول الصناعية، فحين يتضاعف سعر النفط فإن تكلفة الإنتاج ترتفع والتضخم يزداد. وفي حالة ارتفاع أسعار النفط إلى تلك المستويات، فإن من الممكن من الناحية النظرية أن تتخلّى الدول المستهلكة عن بعض دخلها من الضرائب المفروضة على البترول، والذي يشكل في بعض الدول أكثر من 50% من سعر مشتقات البترول الذي يدفعه المستهلك، ولكن ذلك شبه مستحيل في ظل الأوضاع المالية التي تعيشها معظم الدول الصناعية، فدخلها من ضرائب البترول يشكل نسبة عالية ولا تستطيع التخلي عنها أو عن جزء كبير منها، لأن ذلك يعني مزيداً من عجوزات الميزانية، ومزيداً من الدين الحكومي، وتقليصاً لبرامج التحفيز الاقتصادي التي تم وضعها لإنعاش اقتصادات الدول الصناعية.

وفيما يتعلق بتخفيض الضرائب، فإن آخر ما تفكر فيه الدول الصناعية هو تخفيض الضرائب على البترول، ذلك أن الضرائب الباهظة المفروضة على البترول مقبولة اجتماعياً، وسياسياً، لأنها فُرضت وتم تبريرها بدواعي حماية البيئة وترشيد الاستهلاك، وهي بذلك تشبه الضرائب المفروضة على السجاير والمشروبات الكحولية ونحوها.

ولذلك فإنه في الغالب، في حال ارتفعت أسعار البترول على النحو الذي توقعه آلان دنكان، ستترك الدول الصناعية لقوى السوق تحديد الآثار المترتبة على ذلك، فهي عاجزة عن تخفيض الضرائب على البترول للحد من تأثير ارتفاع الأسعار، ولذلك، فإنه عندما ترتفع أسعار البترول عالمياً، خاصة حين تصل إلى مستوى مئتي دولار أو أكثر، فإن ذلك يعني عمليا ثلاثة أمور:

- استمرار الأزمة الاقتصادية العالمية.

- انحسار الطلب على البترول بسبب انخفاض معدلات النمو الاقتصادي.

- تطوير مصادر بديلة للطاقة. فحين يصل سعر البترول إلى هذه المستويات، فإن جميع البدائل تصبح مبررة اقتصادياً، أي أن ذلك سيسرّع من انتهاء حقبة الوقود الأُحفوري (البترول والغاز). ولذلك فإننا قد نفرح قليلاً لو وصل سعر برميل البترول إلى 200 أو 250 دولاراً، ولكن عاقبة ذلك قد تكون وخيمة على المدى المتوسط، فضلاً عن المدى البعيد.