في القراءة يجب الانتباه إلى التكوين العقلي لكل كاتب، والدخول إلى تلافيف دماغه وما حوى، وعصارة إنتاجه وإلى أي شيء انتهى. وهل هو كاتب وكتاب أم منهج ومدرسة. فقد يكون الكاتب قد وضع كتابا واحدا أو كتابين ولكنهما كتابان مؤسسان جدا، وقد يكون الكتاب من النوع الذي تكفيه القراءة الواحدة، أو من النوع الدسم الذي يجب أن يقرأ عشرات المرات كما حصل معي في كتاب (تجديد التفكير الديني) لمحمد إقبال أو (العلم في منظوره الجديد) لروبرت آوغروس أو (مختصر دراسة التاريخ) لجون آرنولد توينبي.

كما قد يكون خلفه مدرسة كما في عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتبه (منطق ابن خلدون ـ وعاظ السلاطين ـ مهزلة العقل البشري وموسوعة التاريخ العراقي الحديث في أربعة مجلدات ضخمة) وكتاباته تقرأ وكأنها فاكهة ونخل ورمان، ولقد عكفت على كتابه الموسوعة العراقية ستة أشهر عددا، وكان الكتاب لا يفارقني في حصة ما قبل النوم.

لقد اكتشفت أن الدماغ يجب أن يحقن بحقن فكرية داعمة ما يعرف بظاهرة (BOSTER) في الفيزياء والبيولوجيا من الدعم اللاحق، فاللقاحات تعطى ثم تلحقها جرعات داعمة وكذلك الأفكار، ومنه وجب على المثقف وضع كتب بجنب رأسه حتى ينام عليها ويستهلك ويتخمر الدماغ في أفكار ما قبل النوم فيتذكرها على نحو جيد بعد الاستيقاظ وكأن الدماغ عمل عليها في النوم بل قد يراها في الأحلام.

وهي خطتي في الحياة عموما وكثير من خلاصات الأفكار غذيت بها دماغي على هذه الشاكلة وحاليا بين يدي كتاب 33 استراتيجية للحرب لروبرت غرين، وقد نويت حملها في سفرتي القادمة إلى المغرب لطول الطريق والوقفات.

لقد نقل غرين كتابه عن حكيم صيني وما يهمني مما في الكتاب عديد القصص والحكم فأحولها إلى ماكينة دماغي وأشحنها بالعبر على مر العصور والدهور.

ومن هذه المدارس أيضا مدرسة المفكر الجزائري مالك بن نبي حيث أنتج حوالي عشرين كتابا وعنونها بسلسلة مشكلات الحضارة (شروط النهضة ـ الظاهرة القرآنية ـ مشكلة الأفكار ـ وجهة العالم الإسلامي ـ ميلاد مجتمع) وأهمية مدرسته أنها تقوم على مجموعة من الأفكار الحيوية خاصة القابلية للاستعمار ونهاية عالم القوة والفوضى في العالم الإسلامي وأنها فكرية بالدرجة الأولى، وعالم الأشياء والأشخاص والأفكار، والدورة الحضارية وما شابه.

والرجل اجتمعت به شخصيا حينما زارنا في دمشق عام 1971 وعرفنا للرجل فضله ورجاحة عقله ورؤيته لأحداث المستقبل... باختصار كان بن نبي نموذج المثقف التقي. لقد أخرج سلسلة من الكتب اشتهر بأولها عن القرآن والكتاب وخلاصة ما انتهى إليه اختصرته أنا بكلمتين لعبة اللغة كما قالها الفيلسوف النمساوي فيتجنشتاين، إنه يمكن استخراج أرانب بيضاء من قبعات سوداء.

وهو توجه غير سليم ولا يقود إلى الصواب والله أعلم.

أما جودت سعيد داعية فهو داعية اللاعنف السوري كتب مجموعة من الكتب أهمها كتابه الذي صدر قبل أكثر من أربعين عاما وخطط لفكر المقاومة السلمية التي وصل إليها أخيرا الفكر العربي مع أحداث تونس ومصر واختلطت في ليبيا.

وأضيف إلى مجموعة المفكرين الهامين الفيلسوف المعرفي السعودي إبراهيم البليهي، والنيهوم الليبي، وعلي حرب اللبناني، والجابري المغربي، وفؤاد زكريا المصري.

وهي عينات وليست نهاية الأشياء والعلوم، فالعالم العربي فيه عشرات العقول المبدعة، ولكن الاتجاه العام للعلم كنسق معرفي لم يتشكل بعد في العالم العربي.