عندما يرد نقد أو خبر في الصحافة عن خلل في بعض الجهات الحكومية، تثور ثائرة البعض، وتشكل لجنة من كبار المسؤولين في تلك الجهة لصياغة الرد في أقرب وقت ممكن، وتكون صياغة الرد في كثير من الأحيان تكذيباً للخبر أو اتهاما للصحفي أو الكاتب بعدم تحري الحقيقة والصدق في نقل الخبر مع استخدام مصطلحات غامضة تتعلق بالتخصص الفني للجهة حتى تتم التغطية على الخبر باستخدام مصطلحات فنية قد تكون غير صحيحة، وبالطبع لا تثور هذه الثائرة عندما يتم تلميع ومدح المسؤول واستعراض منجزاته!.

للأسف الشديد هذا هو واقع بعض الجهات الحكومية، فهي تنظر إلى الصحافة بنظرة سلبية، ولديها أحكام مسبقة بناءً عليها يتم التعامل مع الصحفيين عن طريق صدهم وعدم الرد على أسئلتهم واستفساراتهم، مبررين هذا التصرف بأن الصحفي يبحث عن الإثارة فقط ولا تهمه الحقيقة، ويستشهدون ببعض الأخبار التي كتبت عن دائرتهم.

والسؤال المطروح هنا: لماذا هذه القطيعة بين الإعلام والجهات الحكومية مع أن الأنظمة والتعليمات تنص على عكس ذلك؟، في الحقيقة يكمن الجزء الأكبر من السبب والمشكلة في الجهات الحكومية نفسها، فهي التي فتحت مجالاً واسعاً لمختلف التأويلات والغموض عند نشر أخبارها في الوسائل الإعلامية بسبب نقص المعلومات وإخفاء الحقيقة وعدم الصدق بالإضافة إلى عدم إدراك أهمية الإعلام والصحافة بأنها مهنة لها رسالتها الخاصة ومعاييرها الأخلاقية وأدواتها الفنية.

من المعلوم أن في كل جهة حكومية، إدارة إعلامية متخصصة تسمى (إدارة العلاقات العامة) وهي ترتبط تنظيمياً بالمسؤول الأول في الجهة، وتهدف إلى إبراز دور الجهة في مجال اختصاصها ونشاطها، ومن ضمن مهامها: الاتصال بأجهزة الإعلام وموافاتها بالمعلومات المتعلقة بأنشطة الجهة والرد على استفساراتها.

وفي الواقع الفعلي نجد أن إدارة العلاقات العامة تقوم بعكس مهامها على وجه من الوجوه، فبدلاً من الاتصال بأجهزة الإعلام وموافاتها بالمعلومات، أصبح دور هذه الإدارة يتمثل في صد الإعلاميين والصحفيين بأساليب بيروقراطية بحتة، وأصبح شغلها الشاغل جمع قصاصات الصحف والمجلات لما ينشر عن الجهة وعرضها على المسؤولين فقط، بالإضافة إلى تكذيب الأخبار الصحيحة عند الحاجة!، وتوريط مسؤول العلاقات العامة هروباً من المسؤولية، حيث إن المسؤولية تتدرج في بعض الأحيان حسب صحة الخبر، فإذا كان الخبر نصفه صحيحا، يتم التصريح للصحيفة من قبل متحدث يعمل في الإدارة العليا مثل نائب المسؤول الأول في الجهة للتعتيم والتمويه، وإذا كان الخبر صحيحاً ومحرجاً للجهة فيتم تكذيبه من قبل مسؤول العلاقات العامة المسكين وذلك حسب طبيعة الخبر.

والسبب لهذه الممارسة في اعتقادي يعود إلى سحب الصلاحيات من هذه الإدارة ، نتيجةً لعدم إدراك البعض بأهمية الإعلام وتحسسهم منه، و الخوف من المساءلة أيضاً، مع غياب الاستراتيجيات والسياسات الإعلامية وآليات التنفيذ ً، وذلك يعد تعطيلاً للأنظمة والتعليمات.

وتأسيساً على ما تقدم، كيف نصنع شراكة بنّاءة بين الجهات الحكومية ووسائل الإعلام؟، وللإجابة على هذا السؤال في البداية، أنقل هنا نص كلام الدكتور غازي القصيبي (رحمه الله) في كتابه "حياة في الإدارة" ، بخصوص نشر قرارات العقوبات المتخذة بحق الأطباء المخالفين في الصحف، وذلك للتوضيح، حيث يقول رحمه الله : "تذمّر عدد من الأطباء من موضوع نشر العقوبات، وقالوا إن النشر يزعزع ثقة الناس في الأطباء. هذه وجهة نظر أقدّرها إلا أنها لم تكن تعكس الواقع. كانت الصحف تنشر الكثير عن تجاوزات الأطباء، وبعض ما تنشره دقيق، وبعضه مبالغ فيه، وبعضه مختلق، وكانت الثقة في أطباء الوزارة مزعزعة أصلاً. كنت أرى النشر سيسهم في إعادة الثقة: عندما يشعر المواطن أن الطبيب المهمل سيحاسب يمكنه أن يتعامل باطمئنان مع الأطباء. كنت أقول إنه عندما تكفّ الصحف عن نشر التجاوزات سوف أكف عن نشر العقوبات. لم تكف الصحف ولم أكف أنا. التهاون لا النشر ، كان سبب انهيار الثقة".

من الكلام السابق للدكتور غازي القصيبي (رحمه الله) يتضح إدراكه لأهمية الإعلام، فلم ينزعج أو يتحسس عندما تقوم الصحف بنشر تجاوزات الأطباء، بل قام بكل شفافية بنشر العقوبات المطبقة بحقهم، وأراد أيضاً إعادة ثقة المواطن في الأطباء عند محاسبتهم، فكان الإعلام خير معين له على ذلك، بالإضافة إلى أن الصحافة كانت وسيلة رقابية للدكتور على وزارته، لما لها من دور هام في هذا الشأن.

وفي هذا الصدد أطرح بعض الأمثلة للمبادئ والإجراءات المهنية في حسن التعامل مع وسائل الإعلام، منها: الصدق وقول الحقيقة دائماً، والموثوقية والالتزام بما تم التعهد به، والقيام بالرد الفوري على المكالمات الهاتفية للصحفي، والتدريب الجيد لموظفي العلاقات العامة، وفهم وإدراك ثقافة المجتمع الإعلامي وكيفية التعامل معهم، واستغلال موقع الجهة على الإنترنت، بتوفير معلومات كافية وحديثة، بحيث تتيح للصحفيين إمكانية الوصول إليها، وفهم الأمور والمواضيع ذات الأهمية الإخبارية وإيصالها في الوقت المناسب إلى الصحافة.

أكتفي بهذا القدر من الأمثلة، كان الهدف من طرحها التوضيح فقط، وباختصار أقول إن الجهات الحكومية في الحقيقة بحاجة إلى وضع سياسة واستراتيجية واضحة المبادئ والإجراءات للتعامل مع الوسائل الإعلامية، تتضمن بياناً وتوضيحاً عن أهمية التغطية الإعلامية للجهة، وتبين فلسفتها للعلاقات مع الإعلام، بحيث يكون من الضروري أن توفر هذه الفلسفة استجابة سريعة، منظمة وذات كفاءة للتعامل مع الأحداث والأخبار، وتكون صادقة وصريحة، حتى عندما تكون الأخبار سيئة أو محرجة للجهة، كما من الضروري أيضاً أن تحدد السياسة الإعلامية للجهة بكل وضوح المسؤولية عن الاتصال بوسائل الإعلام، بما فيها مهام وأدوار إدارات العلاقات العامة.