سأسردُ مقاطع من تعب المتابعة، وأكتفي.
تتباهى القنوات التلفزيونية الإخباريّة بحصرياتها في تغطية أحداث العالم العربي في تونس ومصر وليبيا واليمن، ويتسابق المراسلون على الحوارات النادرة مع أركان السلطات، أو رموز الرفض.
الشاشة الواحدة تنقسم إلى عدة أقسام، حتى إنها قد تصبح أربع شاشات في شاشة، وكلّها حيّة مباشرة، في وقت واحد، ممّا يشتت الأعين والأذهان، ويرفع مؤشرات التوتّر النفسي المرتفع أصلا، ممّا يجعل المشاهد يعيش حالة ممتازة من الاضطراب الشعوري، وهو أمام تلفزيون الواقع الدموي.
حالات من المنع والحجب والتشويش على بعض القنوات التلفزيونيّة.
السياسيون ـ في خطاباتهم التاريخيّة ـ يتخيّرون الألفاظ التي تتّهم هذه القنوات بالتحيّز والتحريض وإثارة الفتن، ولا تكاد تخلو كلمة أو تصريح من إلقاء اللائمة على هذه القنوات لأنها ـ كما يزعمون – لا تنقل الحقيقة، وتنحاز إلى طرفٍ دون الآخر.
الناسُ يسهرون "جرّاها ويختصمون"، وينقسمون إلى أحزاب جديدة بحسب القنوات الإخباريّة التي يؤيّدونها، أو يرفضونها، والمتظاهرون يجعلون من الهتاف لبعض القنوات أو ضدها هامشاً على متن نداءاتهم؛ ذلك أنهم باتوا غير قادرين على التمييز بين التغطية النزيهة والتغطية المنحازة، لأن الخيط الذي يفرق بينهما رفيع حد عدم القدرة على رؤيته إلا من الراسخين في قراءة التوجهات الإعلامية.
بعض القنوات تتطرّف، وتنحاز انحيازا ظاهراً، يفسّره المتابعون بأنّه ردة فعل بدهيّة على المضايقات والتشويش وأكوام الاتهامات، على الرغم من أنّ التحيّز غير مُبَرّر أخلاقيّاً ومهنيّا.
أمّا القنوات الرسميّة – في بلدان الاضطرابات، وفي أثناء تراجح الكفتين ـ فإنها تجترّ.. وتجترّ شعاراتها التي اعتادات على ترديدها منذ عقود، إذ يتوهم القائمون عليها أن الشعوب ما تزال أسيرة للشعارات البالية.
يشعر العقلاء والبسطاء والحكماء أن العالم العربي بحاجة شديدة إلى حملات لمقاطعة قنوات الشعارات التي صدئت منذ زمن، "خلوها تتحلل"، لأنها سبب رئيس في التشظي والدماء والأزمات.
المشاهد السابقة، تشير إلى أننا نعيش في عصر الحروب التلفزيونية، وهذه الأيام هي موسم الحروب التلفزيونية بامتياز.
ولنا مع السابق، أن ندرك ـ نحن السعوديين ـ أن لنا وطناً نحبه، وهو يحتاج منّا إلى اتزان إعلامي في كل الاتجاهات، وعبر كل القنوات؛ اتزان لايتنافى مع الصدق والموضوعيّة والمهنية، ولا يأخذنا خلسة خلف من لا يريد لسفينتنا النجاة.