ترجمة: حمد العيسى*


قرار الأمم المتحدة كان بمثابة اعتراف دولي بشرعية الدولة اليهودية. صحيح أن العرب لم يكونوا مسؤولين عن المعاملة البربرية لليهود في قلب أوروبا المسيحية. ولهذا فإن معظم العرب شعروا بأن إهداء جزء من فلسطين لليهود كان غير قانوني! ولكن مع هذا، لا يمكن مطلقا اعتبار قرار صادر بالأغلبية من الجمعية العامة للأمم المتحدة غير قانوني. حسنا، قد يكون «ظالما» Unjust ولكنه ليس «غير قانوني» Illegal ، وذلك لأن «الظلم» injustice و«عدم القانونية» Illegality ليسا نفس الشيء. فما هو قانوني Legal ليس بالضرورة عادلا .Just بالإضافة إلى ذلك فإن إسرائيل وقعت معاهدات هدنة مع جميع جيرانها العرب في عام 1949 وهي: لبنان، سوريا، الأردن ومصر. هذه هي فقط الحدود الأصلية المعترف بها دوليا والتي كانت تحيط بإسرائيل. وهذه هي الحدود فقط التي اعترف بها شخصيا كحدود شرعية لإسرائيل. (تعليق المترجم: لا نتفق مع بعض العبارات الثعلبية في الفقرة السابقة من الناحية المنطقية لكونها تركز على السياسة والقانون الدولي فقط وتلغي العامل الديني في هذا الصراع الوجودي).

المحطة الثانية في الصراع العربي الإسرائيلي كانت حرب يونيو 1967. كنتيجة لانتصارها المذهل في حرب الأيام الستة، احتلت إسرائيل مرتفعات الجولان من سوريا، والضفة الغربية من الأردن، وشبه جزيرة سيناء من مصر. وفي 22 نوفمبر 1967 أصدر مجلس الأمن القرار 242 وكان بمثابة تأكيد على عدم القبول باحتلال أراض عن طريق الحرب، وطلب القرار نفسه من إسرائيل التخلي عن الأراضي التي احتلتها في مقابل السلام مع جيرانها.

وهكذا ولأول مرة في تاريخ إسرائيل، أصبح لدى الدولة اليهودية شيء جوهري تقدمه للعرب في مقابل أن يعترفوا بها وأن يحققوا السلام. ولكن للأسف إسرائيل فضلت الأرض على السلام، وفي خلال أشهر قليلة وبعد صمت المدافع بدأت إسرائيل في بناء مستعمرات مدنية في تلك الأراضي المحتلة في انتهاك واضح لمعاهدة جنيف الرابعة. وهكذا أصبحت إسرائيل حقا وبالفعل قوة استعمارية جديدة بالنسبة لي. وكما قلت مازلت أقبل شرعية دولة إسرائيل في حدود ما قبل 1967 ولكنني أرفض وأرفض تماما وكليةً وبدون مساومة المشروع الصهيوني الاستعماري وراء تلك الحدود.

المسألة المحورية الثالثة في الصراع كانت معاهدة (أو اتفاقية) أوسلو التي وقعت في 13 سبتمبر 1993 في حديقة البيت الأبيض واشتهرت بالمصافحة التاريخية بين ياسر عرفات وإسحاق رابين.

معاهدة أوسلو كانت أول اتفاق رسمي في التاريخ لفريقي الصراع العربي الإسرائيلي: إسرائيل وفلسطين. الكلمات الشجاعة «دولة فلسطينية» لم تظهر في نص المعاهدة ولكن التوقيع على المعاهدة، مع هذا، أعلن رسميا عن 3 أمور سياسية خطيرة وغير مسبوقة. أولا: اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل كدولة شرعية وحقها في الوجود، وثانيا: اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي للشعب الفلسطيني. وثالثا: اتفاق الطرفين على حل اختلافاتهما الباقية بوسائل سلمية.

بعد توقيع معاهدة أوسلو بقليل حدثت مناظرة فكرية سياسية بيني وبين صديقي الراحل البروفسور إدوارد سعيد الذي كان دائما صديقا قديما وعزيزا لي حيث جرت وقائعها على صفحات مجلة «لندن رفيو أوف بوكس» بتاريخ 21 أكتوبر 1993. مقالي لم أعد طباعته في هذا الكتاب لأنه بصراحة لم يصمد أمام امتحان الزمن! إدوارد ترافع ضد معاهدة أوسلو وأنا ترافعت معها. مقال إدوارد كان بعنوان «فرساي فلسطينية».

مجادلة سعيد في ذلك المقال كانت في أن معاهدة أوسلو كانت بمثابة أداة للاستسلام الفلسطيني على حساب الحقوق الفلسطينية الوطنية الأصلية والعادلة لأنها لم تتضمن وعدا فضلا عن ضمان لقيام دولة فلسطينية مستقلة في نهاية فترة انتقالية. إدوارد وصف –بحق- معاهدة أوسلو باتفافية بين طرف مهيمن قوي جدا وطرف منهك ضعيف جدا ولهذا عكست الخلل في توازن القوة بين الطرفين. اعترفت في مقالي السالف ومنذ البداية بعيوب معاهدة أوسلو ولكنني اعتبرتها خطوة هامة في الاتجاه الصحيح. ورغم كل عيوبها الواضحة لي كانت تبدو كانتصار سياسي عظيم في سياق هذا الصراع الوجودي العميق المستمر منذ 100 سنة.

لقد اعتقدت وقتها بحسن نية أنها ستكون سببا في عملية متدرجة في اتجاه واحد غير قابل للانتكاس لخروج أو انسحاب إسرائيل من تقريبا جميع الأراضي العربية المحتلة (بعد حرب 1967) وهذا سينتج عنه لا محالة انبثاق دولة فلسطينية مستقلة في نهاية الفترة الانتقالية.

في السنوات التالية منذ 1993 سألت نفسي كثيرا: من كان على صواب ومن كان على خطأ؟ ومن كان صاحب التحليل الصحيح والدقيق؟ أنا أم سعيد؟ وعندما كانت الأمور تسير على ما يرام، وعندما كان هناك تطور يحصل في واقع الأمر يتم إحرازه، وعندما وقعت معاهدة أوسلو الثانية على سبيل المثال، اعتقدت أنني كنت مصيبا وإدوارد سعيد مخطئا. ولكن عندما تعطلت عملية السلام بسبب عودة العنف الحتمية، اعتقدت أن إدوارد سعيد كان مصيبا وأنا كنت مخطئا. ولكن الآن وبعد 16 سنة من توقيع الاتفاقية، لا يوجد جدال في أنني كنت مخطئا وإدوارد سعيد كان مصيبا (تعليق المترجم: تأملوا عظمة هذه الصراحة والحياد والموضوعية ونقد الذات التي يستحيل أن يهمس بها فضلا عن أن يفعلها مفكر عربي) في تحليله لطبيعة ونواقص معاهدة أوسلو، هذا الكتاب يتضمن عددا من المقالات عن خلفاء رابين ودورهم في تحطيم القاعدة السلمية التي أرساها رابين والتي كان ياسرعرفات يسميها دائما «سلام الشجعان». باختصار ومن وجهة نظري، إسحاق رابين كان رئيس الوزراء الوحيد في تاريخ إسرائيل الذي يملك الشجاعة، والإخلاص والعزيمة للمضي مع الفلسطينيين لتحقيق حل لهذا الصراع الدامي.

من ضمن الذين خربوا ودمروا معاهدة أوسلو يحتل أرييل شارون مكانة خاصة وهو كما هو معروف زعيم تكتل الليكود ورئيس وزراء إسرائيل من 2001 إلى 2006. جورج دبليو بوش اشتهر بوصف شارون بـ «رجل السلام». ربما بحسب مفهوم ومعيار دبليو بوش للسلام يمكن اعتبار شارون كذلك! ولكن إذا استعملنا أي معيار آخر للسلام فإن شارون كان، رجل الحرب بلا منازع! لقد كان شارون بطل حلول العنف وصاحب الرأي الواحد بكل امتياز الذي لا يقبل الجدال أو كما أحب أن أسميه «رامبو اليهودي». شارون كان يمثل بكل امتياز النمط الوحشي والاستعماري والرجعي والعنصري في المشروع الصهيوني. وعند التعامل مع العرب المحليين، اعتمدت الحركة الصهيونية بقوة ودائما على القوة العسكرية وعلى خلق «حقائق على الأرض» مثل تأسيس وبناء المستعمرات.

يتبع

* مترجم سعودي